كلما اتجهت شرقا، صدحت أصوات الباعة والمتجولين في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، لتستوقفك وسط السوق الشعبي إحدى فنون العمارة العتيقة ” بيت السقا الأثري”، باب حديدي أحمرُ اللون؛ يصلها إلى “الساحة السماوية وبلاط أرضيته من الرخام الملون مختلف الألوان والأحجام، وقد برزت حدود كل حجر منها على حدة.

يصفها المؤرخ الفلسطيني “سليم المبيض” “هي بمثابة شهادات لنا على هذه الأرض، لأن الأرض هي الهوية، وما على الأرض من آثار ومساجد وزوايا هي معلم بارز في فلسفة الفن المعماري التراثي الإسلامي، ميزت كافة البيوت الأثرية في قطاع غزة.

كل جزء من البيت معلم يروي حكاية، (المزيرة) مثلا وهي تجويف عميق داخل الحائط كانت تستخدم للاحتفاظ بالماء. ففي كل يوم كان يأتي السقا الذي كان يبيع الماء فيعبئ المزيرة التي تسد مسد خطوط مياه الممتدة في وقتنا الحالي، وبجوار المزيرة أسفل الحائط فتحت فتحة متوسطة الحجم بشكل مقوس وهي مكان كان يستخدمه أصحاب المنزل لتخزين مئونتهم.

قالت نشوة الرملاوي منسقة المشاريع بمركز إيوان: “بيت السقا الأثري هو أحد البيوت التي تم ترميمها، فاختيار البيت الذي سيرمم يكون وفقا لحالته الإنشائية أي أن البيوت الأثرية التي يكون وضعها حرجا من حيث البناء يكون لها الأولوية، وكذلك ترحيب مالك البيت بالفكرة، وأيضا القيمة المعمارية للبيت وموقعه”.

في السياق ذاته توضح الرملاوي أن المشاكل العمرانية التي تعاني منها المنازل الأثرية هي الرطوبة الكبيرة والأملاح والشروخ والتسريب.

وتجدر الإشارة إلى أن أعداد المباني الأثرية في قطاع غزة  بلغ 117 مبنى أثري متنوعة بحيث بلغ عدد البيوت الأثرية لوحدها 94 وعدد المساجد الأثرية 8 فيما تنوعت باقي المباني ما بين كنائس وأسواق ومحلات تجارية وقصور ومقابر وأسبطة وحمامات ومدارس أثرية.

وفي عمارة البيت تنوعت الحجارة المستخدمة في بناء بيت السقا بين ثلاث أنواع حجر الكركار أو الحجر الرملي، والحجر القدسي من جبال وسط فلسطين، ونوع ثالث من الرخام من الحجارة الرومانية القديمة والأعمدة الرومانية. ويؤكد المبيض أن سقف البيت المعقود عبارة عن رمل محشو بالفخار مما يفسر برودة الغرف في الصيف ودفئها في الشتاء.

أبو ناهض حلس، 85عاما، من كبار مخاتير حي الشجاعية، يقول: “يعود البيت لعامل بسيط بمزرعة اسمها “الطوابين”، وكانت له قطعة أرض بجوار عمارة سعيد الشوا”. ويشير الحاج أبو ناهض إلى الحكاية من أيام حملة إبراهيم باشا لفلسطين وسوريا التي استغرقت عشر سنوات، يقوم أحد حراس الباشا بسرقة “قدرة الذهب” التي كانت تعد كرواتب لجيشه.

يتابع الحاج أبو ناهض: “بعد سرقتها يخفيها الحارس في مزرعة “الطوابين” التي يعمل بها السقا، ويُعدم الحارس بمدفع الباشا، وتطوى الحكاية، ويَكتشف أمرها السقا”، يتابع الحاج أبو ناهض” يبتسم القدر للسقا، ويقرر بناء بيت يضاهي عمارة الشوا، ويطلب من بنّاء العمارة أن يشيد هذا البيت، ليغدو من الأغنياء ويتوارثوا البيت جيلا بعد جيل.

محمد الكحلوت مدير مركز إيوان قال: “يجب الاهتمام بالتراث المعماري الفلسطيني، وأنا أنتقد تسجيل بعض المواقع الأثرية كتراث لـ”الاحتلال”، كصورة الفتاة اليهودية التي ترتدي حجاباً وثوباً مطرزاً تعمل كمضيفة لدى شركة العال “الإسرائيلية” وسرقة الأكلات الفلسطينية “.

وطالب الكحلوت، بضرورة العمل على توسيع رقعة الاهتمام بالتراث الفلسطيني، خاصة المعماري منه، والحفاظ على البيوت الأثرية من الاندثار.

وتبقى ضرورة الحفاظ على التراث المعماري والاهتمام بكافة الأماكن والبيوت الأثرية واجبٌ ينادي بتاريخ حقبة أثرية عريقة، وضرورة العمل على توعية المجتمع وتدريب الكوادر لتبقى كشهادة إثبات لتجذرنا هنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست