Image copyright Sundance Film Festival

صوّر المخرج ويل ألِن، لأكثر من 20 عاما، لقطات لأعضاء طائفة تعتنق معتقدات غامضة، كان هو أحد أعضائها، في مدينة لوس أنجليس الأمريكية، واستفاد من هذه اللقطات ليعد فيلما وثائقيا عن تلك الطائفة يحمل اسم (الجحيم المقدس)، شارك به في مهرجان صندانس السينمائي لهذا العام

والآن، استفاد ألِن من هذه اللقطات ليعد فيلما وثائقيا عن تلك الطائفة باسم "هولي هِل" (الجحيم المقدس)، شارك به في مهرجان صندانس السينمائي لهذا العام. الناقد أوين غليبرمان، الذي تابع فعاليات المهرجان، يلقي نظرة على هذا العمل في السطور التالية.

ثمة العديد من الأوجه الآسرة والفاتنة للحياة بداخل طائفة تتبنى معتقدات غريبة وغامضة وخطرة. ولكن الوجه الأكثر فتنة لأيٍ من هذه الطوائف هو زعيم الطائفة؛ ذاك الديكتاتور صاحب الشخصية المخادعة والجذابة في الوقت نفسه، الذي يخفي أهدافه الحقيقية وراء ستار دخاني من الحكمة والرأفة الزائفتيّن، حسبما يخلص الفيلم الوثائقي المخيف "الجحيم المقدس" الذي شارك في مهرجان صندانس السينمائي.

ومن خلال فيلم "الجحيم المقدس" تسنح لنا فرصة غير مسبوقة لإلقاء نظرة عن كثب على ما يجري بداخل طائفة، تماثل تلك التي تزعمها تشارلز مانسون أو قادها جيم جونز، بل وربما تفوقهما من حيث كونها تشكل نموذجا لتلك الطوائف الغريبة الغامضة.

لكن الطائفة، التي نتحدث عنها هنا، كانت أقل صخبا وأصغر حجما من نظيراتها التي حظيت بالشهرة، فقد تألفت من مجموعة شخصيات شديدة الجاذبية من مدينة "ويست هوليوود" في لوس أنجليس، وهي مجموعة شكلّت في ثمانينيات القرن الماضي تجمعا "مستنيراً" عُرف باسم "بوذا فيلد".

وقد مارست هذه المجموعة رياضة اليوغا، ونظم أفرادها تجمعات في منتجعات بعيدة وهادئة خلال عطلات نهاية الأسبوع، وسعوا للوصول إلى أقصى درجات السعادة والنشوة عبر طقوس العناق الجماعي، والعمل على استثارة ما بداخل المرء من طاقة روحية.

غير أن أفراد تلك الطائفة قضوا غالبية أوقاتهم جالسين جنبا إلى جنب للإنصات إلى زعيمهم؛ وهو رجل شرير غريب الأطوار يُدعى ميشيل، كان يقدم نفسه باعتباره إلهاً حياً، وهو ادعاء كان يجب أن يشكل في حد ذاته أول إشارة على أن هذا الشخص ليس "إلهاً" بالفعل.

وفي عام 1985 انضم ويل ألِن، مخرج فيلم "الجحيم المقدس"، لهذه الطائفة. ونظرا لأنه كان يطمح – منذ ذلك الحين - في أن يصبح مخرجا سينمائيا؛ فقد أصبح الشخص المُختار من قبل زملائه في "بوذا فيلد" لتسجيل يوميات تلك المجموعة بالفيديو.

وهكذا عكف الرجل على تسجيل أنشطة ذلك التجمع بكاميرا الفيديو الخاصة به، بل وتولى إعداد أفلام قصيرة تجريبية منزلية – بعضها جيد والآخر غير ذلك - وظهر فيها أعضاء الطائفة.

وفي فيلم "الجحيم المقدس"، استخدم ألِن ثروته من اللقطات التي صوّرها على مدى 22 عاما، لكي يصطحب جمهوره معه، لرصد تفاصيل رحلة انغماسه البطيء والتدريجي في هذه الجماعة.

ورغم أننا نشاهد خلال الفيلم العديد من المقاطع المصورة لأعضاء الطائفة، فإن زعيمها الروحي بقى دوما الشخصية التي تظهر في صدارة هذه المقاطع وفي قلبها، وهو تحديدا الموضع الذي تريد - أنت كمشاهد - أن تجسد شخصيته فيه، نظرا لكونه دجالا جذابا متألق العينين، لا يمكن للمرء الكف عن محاولة دراسته وسبر غوره، في ضوء أنه يبدو واضحاً من البداية - بالنسبة للمشاهدين على الأقل – أنه يُظهر غير ما يُبطن.

ويتحدث الرجل الإنجليزية بلكنة أبناء الطبقة الراقية في الولايات المتحدة، ولكن على نحو مبهم وملتبس. ويقود جلسات التأمل، مرتدياً ثوب سباحة قصيرا وضيقا للغاية. كما أنه يمارس الرقص ورياضة كمال الأجسام، ويبدو كما لو كان ينضح بخدر وقشعريرة خبيثيّن يليقان بشيطان صغير.

ويتضمن الفيلم مشاهد تُظهر "ميشيل" عندما كان مجرد ممثل محدود القدرات، يقوم بأدوار في المسلسلات التليفزيونية كثيرة الحلقات ذات الحبكات التقليدية المبتذلة.

ورغم أن ميشيل كان وسيما أيضا في ذلك الوقت، فإنه – عندما أصبح زعيما لتلك الطائفة - تحول إلى مدمن لعمليات التجميل على نحوٍ جعله أشبه براقص الباليه السوفيتي رودلف نورييف الذي كان مدمنا لتعاطي الحبوب المضادة للاكتئاب. وهكذا حوّل ميشيل وجهه إلى قناعٍ، نراه وهو يُنزع من عليه تدريجيا وببطء، خلال متابعتنا بفارغ الصبر لأحداث هذا العمل الوثائقي المُشوِق.

فلتتبع القائد

ورغم أن ميشيل يعد في الفيلم أتباع طائفته بإيصالهم إلى حالة من التنوير المطلق أطلق عليها اسم "الدراية والمعرفة"، فإن المشاهدين على علم بأن شيئاً ما شريرا حتى النخاع في صورة "طالبي السمو الروحي" هؤلاء، الذين يبدون كلهم على شاكلة أبطال أحد الإعلانات التجارية لمشروب "بيبسي كولا" في سبعينيات القرن الماضي؛ أولئك الفتيان مفتولو العضلات والشابات الحسناوات، ممن تعلو الابتسامة وجوههم ووجوههن، ويتسمون جميعا بطابع هيبي.

ففي واقع الأمر، كانت المآرب الحقيقية لميشيل لا تختلف كثيرا عن مآرب أقرانه من زعماء مثل هذه الطوائف والجماعات الغريبة؛ ألا وهي الجنس والمال والسطوة والنفوذ.

وبحسب العمل، يصبح الرجل – بمرور السنوات – أكثر وضوحا في إبداء ما يُكِنُه في داخله من شعور بجنون العظمة، مُحطِماً أي ذرة من المقاومة في نفوس أتباعه. ورغم أن التسامي عن الغرور وحب الذات يشكل بحق حجر زاوية لبعض المعتقدات الدينية التي نشأت في دول مثل الصين والهند واليابان وجنوب شرق آسيا، فإن هذا الأمر يتحول – مع أتباع "بوذا فيلد" - إلى مسوغٍ لمحو هويتهم وشخصياتهم.

ويجري ألِن في الفيلم الوثائقي مقابلات مع العديد من الأتباع السابقين لهذه الطائفة، يدلي خلالها هؤلاء بشهاداتهم حول الكيفية التي فُتِنوا واستُعبِدوا بها من قبل ميشيل.

فقد كان أتباع تلك الطائفة على استعداد للقيام بأي شيء يطلبه هذا الرجل. لتحولهم طلباته لهم بأداء واجب "الخدمة" المفروض عليهم تجاهه – بحسب زعمه – إلى تدني مكانتهم ليصبحوا أشبه بعبيدٍ له أناء الليل وأطراف النهار.

على أي حال لا يصاب المشاهد بصدمة تقريبا حينما يصل الفيلم الوثائقي إلى لحظة الكشف والمصارحة الأكثر إرباكا فيه، وهي تلك المتعلقة بإماطة اللثام عن طبيعة تلك الطائفة وأهداف زعيمها.

مع ذلك، ربما يبدو صادما بالنسبة للمرء أن يشاهد تلك المقاطع التي تُظهر ميشيل خلال حياته السابقة التي أسدل عليها ستار السرية، والتي كان فيها ليس إلا واحدا من الممثلين المفعمين بالقوة والعنفوان الذين يشاركون في الأفلام الإباحية المخصصة للمثليين جنسيا. وربما تُعزى هذه الصدمة إلى أننا نكتشف حينذاك كيف كانت شخصيته كمرشد وزعيم روحي زائفةً على نحو كامل.

لكن لا يبدو واضحا ما إذا كان ألِن قد استوعب هذه الفكرة بالكامل أم لا. فثمة خلل يكمن في "الجحيم المقدس"، ألا وهو أن الفيلم يتبنى فكرة أن طائفة "بوذا فيلد" كانت تشكل مزيجا ما بين الخير والشر.

فالجانب الشرير من ميشيل يُقدم على أنه الوجه الآخر والمناقض لدوره كمعلم حكيم ومرشد روحي لطائفته. ولكن غالبية الأتباع السابقين للطائفة لا يبدو أنهم يدركون حقيقة أن هذا الرجل كان لا يعدو محتالا ومخادعا حتى في الأوقات التي كان لا يُقدِم فيها على خداع أي شخص آخر أو استغلاله.

فـ"تعاليمه" لم ترتق بأيٍ منهم قط إلى أي مرتبة أعلى، ولم تكن سوى مرحلة مبكرة من مراحل غسيل المخ. على أي حال، فمع وصول "الجحيم المقدس" إلى مشهده الختامي المشؤوم؛ يظل أكثر ما يخيف بشأن هذا العمل، كون مخرجه ويل ألِن – الذي قدم فيلما وثائقيا حول كيفية انجرافه إلى عضوية طائفة ذات تعاليم غامضة وغريبة ثم تحرره من ربقتها – لا يزال يبدو في نهاية المطاف أشبه بشذرة شديدة الضآلة تخضع لسطوة تلك الطائفة وسحرها وفتنتها.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture.