تليق صورة حسن روحاني وهو يتجول في متحف الكابيتول في روما، برفقة رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي، بمشهد سينمائي “هارب” من أفلام المخرج الإيطالي الراحل فيديريكو فيلليني، حيث لا سخرية أكثر حدة، ولا خيال أكثر مكرًا من تغطية تماثيل رومانية، من بينها تمثال فينوس آلهة الحب والجمال، بعلب خشبية أدنى إلى التوابيت.

ويبدو أن صاحب تلك الفكرة “البراقة”، بإرضاء الضيف الإيراني وإثارة ما هو أبعد من إعجابه، لم يكن إلا وزير الثقافة نفسه؛ السيد داريو فرانكيشيني، الذي اتخذ “من تلقائه” على ما يبدو، الاحتفاء بالضيف الإيراني من خلال “تعليب” الآلهة الرومانية.

ولعل هذا الصنيع يؤهله للظهور في أحد مشاهد الفيلم الإيطالي الشهير “الجمال العظيم” للمخرج باولو سارنتينو. إذ إن رثاء عظمة إيطاليا التليدة وفنونها وحضارتها، بموازاة نقد أهل السياسة، أو دمى العولمة المتأنقين، حاضرة في أفلام المخرجين الاثنين.

في سبيل “النقود”، يمكن عمل أي شيء. مثلما يمكن للصحافة أن تدبج مقالات كثيرة ضدّ صنيع وزير الثقافة الإيطالي، ولا تكفّ عن تقديم حجج وبراهين لتستنكر عملًا شائنًا وغير مسبوق من قبل “رجل دولة” أوروبي، لكن لا يبدو أن ذلك سيغير شيئًا في واقع دعامته الأولى: “مبادئ العولمة الأخلاقية” إن جاز التعبير.

فتوقيع صفقات كبرى بأرقام فلكية مع إيران المنفلتة من “قمقمها” نتيجة لرفع العقوبات من بعد الاتفاق النووي، يبدو أكثر الحجج إفحامًا. إذ كان نادرًا فعلًا، ألا يتم الربط بين “تعليب” التماثيل الرومانية ورنين “النقود” المجلوبة من الصفقات الإيرانية. ربطٌ بين أمرين متنافرين، وعلى طرفي نقيض، غدا أبعد من “مقبول” في أخلاقيات العولمة. أبعد من مقبول يعني إنه أمر مفهوم، وهنا الخطورة في الأمر.

إنه “الفهم” نفسه، و”القبول” نفسه أيضًا، الذي ساعد محكمة النقض في فرنسا لاتخاذ قرارها في شهر أكتوبر/ تشرين الأول المنصرم، الخاص باعتبار مقاطعة المنتجات الإسرائيلية أمرًا غير شرعي، لتكون بلاد الغال وحدها من بين الدول الأوروبية تقريبًا، “العصية” على “اختراق” الحركة العالمية لمقاطعة إسرائيل وفرض العقوبات عليها (BDS)، هناك حيث الاتهام باللا سامية جاهز دائمًا، لحماية مقدسة لليهود.

على ما يبدو، أن التخلص من حركة Occupy wall street، وتدجينها وترويضها عبر قوانين “القوة الناعمة”؛ مثل “استيلاد” أشباه مندسين لها، كحركة أوقفوا الحرب، التي تعمل وفق برنامج الحكومات بدقة؛ فتفشل في منع غزو العراق وتنجح في ردّ “العقاب” عن النظام السوري غداة استعمال الأسلحة الكيماوية ضد الشعب. أو مثل التعويض بـ “النقود” على الضحايا والمظلومين من حركة Occupy wall street، من الذين قبض الأمن والشرطة عليهم من دون وجه حق، صار هذا التخلص إذن، أمرًا من الماضي السحيق. مع أن تلك الحركة تقلّ عامًا واحدًا عن عمر الربيع العربي. فقد بدأت كما هو معروف في الولايات المتحدة الأميركية عام 2011، كاحتجاج سلمي مناهض لأحد أقسى مظاهر العولمة: تكديس ثروات هائلة بأرقام فلكية، لدى فئة أقل من قليلة، وترك أزيد من الغالبية “مناسبين” لجلسة تصوير الجوع والفقر على امتداد الكوكب الأزرق.

مرّ خبر التخلص من الحركة، على خجل في الصحافة الغربية، وبدا تبديد قوّتها أمرًا “قانونيًا”، مقبولًا ومفهومًا. ولعل اللفظين الأخيرين، اللذين يزداد تواترهما، كلّما صار شيء غريب شبيه بتعليب التماثيل الرومانية مثلًا، يبيّن إلى أي حدّ صار الخنوع السعيد والمشرّع بالقانون، سمة ملازمة لإنسان العالم المعاصر الأوروبي.


في سبيل “النقود”، يمكن عمل أي شيء. مثلما يمكن للصحافة أن تدبج مقالات كثيرة ضدّ صنيع وزير الثقافة الإيطالي

أمرُ غريبٌ فعلًا، فكلّ ما تمثّله التماثيل الرومانية من قيم ثقافية مشعّة، أدّت دورًا أساسًا في نظرية المركزية الأوروبية، حيث توّحد الحضارة الأوروبية نفسها ثقافةً وتاريخًا، ضمن سلسلة لا انقطاع فيها على الإطلاق، ولا فضل فيها ولا مساهمات لأي كان. نظرية غدت بمثابة المكوّن الرئيس للهوية الأوروبية، التي تتهادى اليوم بحبور صوب معايير العولمة ومبادئها “الأخلاقية”، أو لعلها تتهادى بحبور صوب روما القديمة، الوجه الثاني للحضارة والفنون؛ هناك حيث يلتذ نيرون بمشاهدة مدينته تحترق، ويتسلى “روماني” آخر، برؤية الوحوش الضارية، تنقض على رجل أعزل في حلبة مدرّج روماني.