لوحة للفنان الكولومبي لويس أرديلا (Getty)

أنطوان شلحت

تشكو الدكتورة آمال القرامي، ضمن الحوار الذي أدلت به إلى “ملحق الثقافة”، من تضاؤل إمكان فتح المثقف العربي في الزمان الراهن مساحات للتفاعل الفكري مع الجماهير العريضة التي لم تعد، في الغالب، تقرأ أو تهتم بالإنتاج الجديد. وتُرجع ذلك إلى أسباب متعدّدة في مقدمها تغييب البرامج الثقافية الهادفة وهيمنة برامج “الاستعراض” والمنوّعات ذات الطابع الفضائحي.

ويؤدي تضاؤل إمكان كهذا، بين ما يؤدي، إلى انحسار ما يمكن اعتباره “توظيف الدلالة” في الحيّز العام كأثر لاحق لإنتاجها، وهو توظيف قد لا يتيسّر إلا من خلال استحصال تفاعلات النصّ.

وتقصدت القول يؤدي إلى انحسار “توظيف الدلالة” لا إلى انعدام إنتاجها، لكون إنتاج كهذا ما يزال متأتيًا، وفق ما تشير القرامي، نتيجة اتجاه عدد متزايد باضطراد من المثقفين العرب إلى مواقع التواصل الاجتماعي لينشّطوا منابر الحوار أو ليعبّروا عن آرائهم، في حين يواصل البعض الآخر نشاطه في عدة فضاءات مُتاحة وفي العمل مع شتى مُكوّنات المجتمع المدني.

برسم ذلك بوسعنا أن نقدّم عدة نماذج على إنتاج كهذا متأتية عن طرائق جديدة في التفكير والمحاججة والتقبّل، بواسطة نصوص تتناول بالنقد والتحليل الهبّة الشعبية المتفجّرة في الوطن الفلسطيني منذ نيّف وثلاثة أشهر.

وينصبّ اهتمام أصحاب هذه النصوص بنشر صوتهم المُبشّر بتفكير جديد، أكثر شيء، على المقابلة والمقالة السيّارة أو العمود الصحافي.
وهم في طقس اجتهادهم هذا إنما يعبّرون عن نزعة يدركون فيها سطوة الصحافة أو وسائط التواصل السائدة.

واخترت أن نتوقف من بينها عند نموذج يشير، من منطلق محاسبة الذات ومراجعة التجربة، إلى أن عددًا من تجارب الثورات في التاريخ الحديث يعلمنا أن ممارسة الضغط على المستعمر والمحتل من خلال رفع كلفة أفعاله بشريًا وماديًا، وحفز قوى داخل مجتمع المستعمرين كي تقوم بضغط موازٍ على نظامه السياسي لإنهاء الاحتلال، هما بمنزلة “وسيلة مجرّبة” أرغمت المحتلين في نهاية المطاف على الانسحاب.

في هذا الإطار يتم التنويه في المعتاد بتجربتي الثورتين في الفيتنام والجزائر.

وبالنسبة إلى الثورة الثانية، وعلى مستوى غاية الحفز، يجدر استعادة سيرورة “توظيف الدلالة” التي أنتجها مثقفون فرنسيون حيال ما قام به الاستعمار الفرنسي في الجزائر من أعمال قتل وتعذيب وذبح وتصفية ودوس إنسانية البشر وحقوقهم.


يجدر استعادة سيرورة “توظيف الدلالة” التي أنتجها مثقفون فرنسيون حيال ما قام به الاستعمار الفرنسي في الجزائر من أعمال قتل

في هذا الشأن ربما لا يكفي الالتفات إلى ألبير كامو، ذلك “الفرنسيّ من الجزائر”، الذي أيّد حق الشعب الجزائري في الاستقلال، ورأى في الاحتلال الفرنسي سلوكًا بشريًا غير حضاري بل وحشيّ. فبالرغم من كل عشقه للجزائر كان كامو ضد “عنف” الثورة الجزائرية، ولم يدعمها بالشكل المتوقع. وهو ما جعل كثيرين تختلط عليهم ماهية علاقته بالجزائر.

علينا أن نلتفت أيضًا إلى جان بول سارتر مؤلف كتاب “عارنا في الجزائر” الذي حذّر فيه من مغبة “الجهل الذي هو معرفة”، وذهب إلى استحالة أنسنة حرب الجزائر، وإلى أنه “إذا كنّا نودّ أن نضع حدًّا لكل الأعمال الوحشية القذرة الكئيبة، وأن ننقذ فرنسا من العار وننقذ الجزائريين من الجحيم، فليس أمامنا سوى وسيلة واحدة: أن نفتح المفاوضات ونعقد السلام”.

كما نقرأ فيه أيضًا: “لم يفت الأوان بعد لإحباط عمل ملتزمي الهدم القوميّ، وما زال ممكنًا تحطيم الدائرة الجهنمية لهذه المسؤولية اللامسؤولة، هذه البراءة المجرمة، هذا الجهل الذي هو معرفة. فلننظر إلى الحقيقة، فهي ستتيح لكل منّا إما أن نشجب علنًا الجرائم المقترفة وإمّا أن نتبناها ونحن واعون. من أجل هذا وجدت ضروريًا أن أدلّ الجمهور على كتاب المجنّدين العائدين [كتاب ضمّ مجموعة من الشهادات والوثائق لمجنّدين فرنسيين عن الطرق التي اتبعتها فرنسا في الجزائر لتصفية الثورة]، فهنا الحقيقة. وهنا الهول، هولنا. ونحن لن نستطيع أن نراه من غير أن ننتزعه من أنفسنا ونسحقه”.

معروف أن هذه النصوص كتبت في زمان لم يكن فيه الإعلام المرئيّ مزدهرًا كما هو اليوم، ولم تكن فيه مواقع للتواصل الاجتماعي قطّ. وانتهاء الاستعمار الفرنسي في الجزائر يعفينا من عناء البرهان على توظيف دلالتها.

بطبيعة الحال ثمة إنتاج لدلالة احتلال فلسطين لكن توظيفها لا يؤتي أي ثمرة وسط مجتمع الاحتلال.
تقف أسباب عديدة وراء ذلك، لعلّ أهمها “انحطاط أخلاقيته” بحسب تعبير سارتر القائل إن قتل معنويات مجتمع لا يكون بتخريبها وإنما يكون بحطّ أخلاقيته.