دخل الطالب إلى المقهى واتّجه إلى حيث جلس أصحابه، بالقرب من الجوقة الموسيقية. وقال، عند جلوسه: “كم هي مقفرةٌ الشوارع؛ ستقتلنا هذه المدينة بحزنها، أو سينتهي بنا الأمر ونصير قَتلةً”. ابتسم له الجُلساء.

إلى الطاولة نفسها جلست امرأتان متبرّجتان، ترتديان قبّعتين صغيرتين، ومعطفين بياقَتين من فَرو، كانت كل منهما تفردُ معطفها وتضمّه بتوتّر شديد، كاشفةً عن قلادة من حجر رخيص. أمامهما، استقرّت مِنفضتان امتلأتا بسجائرَ دُخِّنت للنصف، أعقابُها ملطّخة بأحمر الشّفاه، وأيضاً، كانت هناك بعض الكؤوس يأتي النادل ويملأها بمشروب كحوليّ شفّاف. كان الجميع يلزمون الصمت ويشربون بتمهّل.

على المصطبة الخشبيّة، كان عازف البيانو يؤدّي مقطوعة فالس، وخلفه، ساكناً، كان موسيقيّ آخر، تدلّى من بين يديه كمانٌ، ينصتُ إليه. لحظ الشابّ أنّ زبائنَ قليلين كانوا يشغلون الطاولات الأخرى، وأنّ المصابيح كانت تُومض بتقطّعٍ، وبدأ يشعر أن تهديداً غامضاً يجثم فوق روحه كطبقةٍ من جليد.

ظهرتِ المغنية على المصطبة بفستانٍ طويلٍ ينحسر عن كتفيها، مزيّنٍ بأقراص بَرقٍ سوداء، وبريشٍ أزرقَ على حافّة تقويرته الواسعة، وفي شعرها المُسرَّح كان يلمع إكليلٌ مُذهّب. وعندما صارت إلى محاذاة الموسيقيَين أوعزت لهما بإشارة، فباشر كلاهما بعزف لحنٍ سريع؛ كان عازف الكمان يؤدّي الإيقاع بكامل جسده، وكانت حاشيةُ بدلته الفِراكْ تترجرج خلفه. وبدأت هي بغناء كوبليهْ فرنسية.

الجميع سمّروا نظراتهم على ساعدي المغنّية الغليظين العاريين، وعلى الريش المهتزّ، وعلى التجاعيد في رقبتها التي كانت تشدُّها وهي تلوكُ كلماتٍ لم يكن في مقدور أحد فهمها.
همست المرأتان المتوتّرتان كلٌّ في أُذن الأخرى وضحكتا؛ ثم، نظرتا إلى المغنّية؛ إحداهما رفعت يدها المغطاة بقفّاز إلى فمها غامِزةً في اللحظة ذاتها أحدَ الرجال. ردّ الرجل بإيماءة إيجابٍ من رأسه، وافترّ ثغره عن ابتسامة. أما الشاب فأدرك أنه قد استمع إلى تلك الكوبليه عشرات المرات في السابق، وفكّر أنّ حياته سوف تتكرّر على المِنوال ذاته في تلك البلدة الريفية: في موعدٍ مّا سيتظاهر فمٌ كذِباً بقُبلةٍ، سيجيءُ ساعي البريد حاملاً الرسائل التافهة صباحاً، ستعزف فرقة عسكرية في الحديقة العامّة، ستبقى رائحة الرطوبة على ما هي عليه في مكتبه، وهكذا سيكون كلُّ شيء أبداً.

رأى أنّ واحداً من صَحبه قد أحنى وجهه فوق الكأس، التي كان يرشف منها، مُخفياً ضحكته، كان يراقب المغنية التي بدورها، أثناء فاصلٍ في الأغنية، نقلتْ بصرها إلى حيث المرأتين اللتين عادتا للتهامس ثانية. كان الموسيقيون يعزفون باندفاعٍ، وبدا كلّ واحد منهم وكأنه يعزف لحناً موسيقياً مغايراً، وكانت مقاطع الكمان المنفرد تُسمَعُ صريراً جارحاً. مع ذلك، كانت المغنّية تُشوِّر بذراعيها المفتوحتين، رافعةً حاجبيها على نحوٍ مبالغ فيه.

عبَّ الشابّ المشروب الحارق الذي احتوته كأسُه دُفعةً واحدة. تذكّر أنه أثناء قدومه إلى المقهى مرَّ بجانب المسلخ – حيث كانت تُرى بضعة أضواء، وسَمع خُوار بقرةٍ تُذبح – سالكاً طريقاً تقطعه سكّةُ قطارٍ منسيّةٌ؛ كان طريقاً مُقفراً كما لو أنه آخر رُكنٍ في العالم؛ وهو، فما من شيء كان يرافقه سوى الأمل الذي يبثّه الكحول كلَّ مساء.

صار جمع الأصحاب يضحك الآن دون تسترٍ، وأخذوا يرمقون المغنّية بنظراتهم خَلل سحابات دخان السجائر. أمّا هي فأخفضت جَرْسَ صوتها، ومالت بجسمها باتجاه الطاولة القريبة ممعنةً النظر في حركات المرأتين. عندئذٍ، صرف الشابّ انتباهه عنهم شاعراً بعدم الارتياح، ورأى حين عبر بنظره على إحدى زوايا المقهى خيالين يتحرّكان بعُنف. كانا جزّارين، أحدهما جالسٌ إلى طاولةٍ والآخر واقفٌ، بدا أنّهما يتنازعان على شيء كان كلّ منهما يحاول الاستيلاء عليه. كلاهما معصوبُ الرأس بمنديلٍ، ومكشوفُ الذراعين، ويرتدي مِئزراً رمادياً ملطّخاً ببقعٍ داكنة. كان أحدهما يمسك بيديه شيئاً بدا أنّ الآخر يريد انتزاعه منه. ورغم ذلك، فإنّ الجالسين إلى الطاولات القريبة لم يكونوا يلتفتون نحوهما، وما من أحدٍ ينظر إليهما. أما الشاب فقد أرهبه منظر الجزّارَين اللذين في حال عادية ما استطاعا دخول المقهى أبداً بثياب العمل القذرة تلك، وكان يستغرب وجودهما هناك، وأنّ النُدُل يمرون بجانبهما دون أن يبدوا أي اهتمام بهما. في شِبه العتمة، كان الرجلان، الفظّا الهيئة، صامتَين، يتعاركان بخشونةٍ؛ وتحقّق الشابُ أن سبب المشاجرة كانت سكّيناً طويلةً ودقيقةً بين أيديهما. سكّين لذبح المواشي، سلاحٌ رهيب.

أشار، أخرس، إلى أصحابه أنْ ينظروا ناحية الرّكن وما كان يحدث هناك، فألقوا نظرةً إلى حيث أشار، لكنهم ظلّوا كما كانوا غيرَ مبالين. ما من أحدٍ انتبه إلى ذلك المشهد المبهم والخطير. وفي لحظةٍ، فجأةً، فطن الشاب إلى أن المغنّية كانت قد سكتت، مع أنّ الموسيقى مستمرة، فنظر إليها، فألفاها تتلفّتُ بوجه مفزوعٍ إلى الرّكن حيث الجزّاران ما زالا يتعاركان، عيناها مُتوسِّعتان وفمها نصفُ مفتوحٍ؛ كان وجهها بكلّ ملامحه ينضح بالذهول والرعب. لا بدّ أنها، هي أيضاً، رأت ما كان بين أيديهما. بعد قليل، تلاقتْ نظراتها بنظرات الشاب، فاستنطق أحدهما الآخر غارَقين في ذهولهما، إلى أن مرت بضع ثوان، واختفى الجزّاران ليعود ذلك الرّكن ويصير شاغراً. كان وحده الكمان يبثُّ صريره المؤلم دون توقّف.

* خوان إدواردو ثُونِّيغا (1929)، روائيّ وقاصّ ومترجم إسبانيّ.
الترجمة عن الإسبانية كاميران حاج محمود