لا أحب أن أغادر البيت قبل أن تصحو زوجتي من قيلولة العصر. نومها ثقيل وأحلامها تتراءى لي مشؤومة من خلف جفنيها المطبقين. ناديتها بضع مرات وأنا أرتدي ملابسي، وتركتها نائمة بعد أن نظرت في ساعتي. صليت المغرب في المسجد الحسيني وختمتها بدعائي الذي لا أيأس منه بأن يرزقني الله الذرية الصالحة. خرجت من المسجد وأنا أشعر بثقل في ذراعي اليمنى. وجدت النسوة الثلاث ينتظرنني في باحة المسجد، ثلاثتهن حبالى، لا أعرف صلتهن بي، ولست واثقاً أنني المسؤول عن الاستدارات المتفاوتة في بطونهن.

فاضت دموعي وأنا أرى ثمرات دعائي تتحوصل في الأحشاء الدافئة. مررت بدكان للعطارة فاشتريت عسلاّ ويانسون وبابونج وبذوراً سوداء صغيرة لا أعرف اسمها نصحني بها العطار وهو ينظر خلفي بإشفاق ويغمزني. قال:
– كوب كبير منقوع في ماء دافئ كل صباح مع ملعقة من العسل.

ثم سأل وهو ينقل عينيه إلى شعر رأسي الأشعث:
– وعندي صبغة للشعر، طويلة الأجل. عليك أن تحافظ على مظهرك، فالدجاجات تحبّ الديك الفتي.

انحدرتُ في شارع الملك طلال، تتبعني النسوة بفارق خطوتين متجاورات في صف واحد يسددن الرصيف، ويدفعن المارة المتعجلين إلى النزول إلى الشارع وهم يديرون رؤوسهم نحونا. دخلت شارع الطلياني فزكمت أنفي رائحة الملابس القديمة وتفرقت النسوة الثلاث بين المحلات. قدرت أن الفرصة سانحة للتملّص من الحمولة الزائدة التي أنعم بها الله عليّ؛ فأخذت أعدو كما أفعل كل يوم منذ عشرين ربيعاً، ولكنني بعد بضع عشرات من الأمتار وجدت نفسي مقطوع الأنفاس وجهاً لوجه مع كبرى الحبالى، وقد فردت ذراعيها في عرض الطريق باسطة عباءتها السوداء على اتساعها كشبكة أنثى العنكبوت.

نظرت خلفي فرأيت الأخريين تقفان خلفي بملابس زاهية الألوان. وقعت في المصيدة وجلست مستسلماً وهنّ يقتربن مني ويشبكن أيديهن حتى لامست بطونهن رأسي، وأمككني أن أسمع اصطخاب الحياة تحت القباب الهادئة الدافئة، وسمعت الكبرى تتمتم بأدعية لم أفهمها، ثم سمعتها تخاطبني :

– كنا في ظهر شاحنة مملوءة بالأطفال والنساء والموتى، ليس فيها رجل حي غير السائق الذي خلعنا له مصاغنا قبل أن نركب. انطلقت الشاحنة تتمايل على طريق وعرة، وصوت طائرات تعبر فوقنا مثل كلاب مسعورة، تغيب عن أنظارنا ولا يغيب عواؤها، إلا عندما يطغى عليه دويّ انفجارات على جانبيّ الطريق يهتزّ له بدن الشاحنة وتتحرّك أطراف الموتى المرتخية وتتجمّع فوق بعضها البعض في أوضاع محزنة. وضعت وجهي بين ذراعي ودعوت الله أن يقيّض لي رجلاً صالحاً يحميني، وسمعتْ دعائي امرأتان تجلسان بجانبي، فقالتا : آمين.

والتصقتا بي، وسقط مطر دافئ وسال على وجوهنا ونحورنا وبطوننا وتجمع بين أفخاذنا. استدفأنا ونمنا، وصحونا على صوت الأذان يُرفع من جهة بعيدة ويعلو على صوت الطائرات والانفجارات، والشاحنة تمشي على هديه وتعبر قرى مهجورة بيوتها مهدّمة، وكلما انتهى أذان بدأ آخر. مضينا وبدأت الحياة تدبّ من حولنا، وعبرنا مدناّ مأهولة ورأينا أناساً غير خائفين، وسمعنا النداء الأخير يأتي من هذا المسجد، وتوقفت الشاحنة وجاء ناس وحملوا الموتى، وعندما رأيناك عرفناك كما عرفتنا.

تزايد الثقل في ذراعي وتحول إلى خدر مؤلم وانتقل إلى ساقي اليمنى، ولم أستطع الوقوف إلا حين تعاونّ على حملي. قلت:
– أصدقائي ينتظرونني في المقهى، تأخرت على موعد الطّرنيب.
– لن نتركك وأنت في هذه الحالة. ردت الكبرى.

مشيت والكبرى تمسكني من خاصرتيّ، والصغريتان في جواري تسنداني من تحت إبطيّ. مشيت باتجاه بيتي بصحبة نسائي الجديدات، ولكنّي بحسب خبرتي بأحوال زوجتي، كنت على ثقة بأنها ستصحو من نومها وتخلصني من هذا الكابوس اليومي قبل أن أصل البيت.