من جَوْفِ الحوت
كأبطالٍ خرافيّين
في فيلمٍ واقعيّ

(الكاستينغُ فيه مُرْتَجَلٌ)
يَلْفِظُهم مَوْجُ التّيه
إلى برِّ المتاهةِ
جثثًا وَخَيالاتٍ
تَصْطادُهم الكاميراتُ
غرقى
أو طافينَ
على ألواحِ القيامة
لتَعْرِضَهم على موائدِ العَشاءِ
والسهرة
صُوَرًا
وَسيناريوهاتٍ سائغةً
تُضْفي عليها الترجمةُ المُتَبَّلَةُ
عناصِرَ الإثارة

لِنَتْرُك النّهاياتِ مُعَلّقةً
(يُلِحُّ المُخْرِجُ)
نريدُ نشرة المساء دسِمَةً
مثل طَبَقِ “الڤولوڤان”

(أكشن)

يَخْرج الكومبارس تِبَاعًا
من البحر
يَنْفُضون عن أعمارِهم
بقايا الرّصاص
والدّيناميت
وعن ذاكِرَتهم
أسماء القتلى
ويحلمون بحياةٍ
أقلَّ موتًا

بِلا حقائبَ هربوا
من وطنٍ
لم يَعُدْ وطنًا
حيث:
البرابرة النيوستايل
يَمْتَشِقون السيوف
ورشّاشات الكلاشنكوف
مُبَشِّرين بالخراب
يَنْتَعِلون النايك والأديداس
ويغتصبون السبايا
من مختلف الأقليات
فقهاءُ ما بَعْدَ الحُثالَةِ
يتحدّثون اللّغاتِ الحيّةَ
مُتَوعِّدين بالمَوْت
يتهجَّوْن الأحاديث الصّحيحة
بعربية مُعْتَلّة
مَرْسومَةٍ بحرفٍ لاتينيّ
وَهُمْ يَلْهُونَ بالهواتفِ الذكية
والبَراميلِ المَوْقوتَة

(كات)

أنتَ الآنَ حيٌّ
امْحُ أساريرَ المَوْتِ
عن وجهكَ
وارسُمْ تعابيرَ الأمان
أريدُكَ مُنْشَرِحًا
مُبْتَهِجًا
ركِبْتَ مع فائضِ الحمولة
في قطار العمر
فتشبَّثْ بِدَوْرِ البطولة
أيّها الكومبارس
وَلا تَحْفِلْ بالخارطة
كُنْ سعيدًا
لأنّكَ الآنَ
حيٌّ وَبَعيد

لا نريدُ “فلاش باك”
لدَيْنا الفصولُ الأولى
من هذه التراجيديا المُصَوَّرة
حيثُ الحَبْكَةُ أكثرُ دراميّةً
وحيثُ القاتلُ والضّحيةُ
يتبادلان أدوار البطولة

أيّها الكومبارس
اِجْمَع ما تناثر
من أزْرارِكَ
وأعْضائِكَ
ضَعْها في كيسٍ مَشْغولٍ
من جُلودِ القتلى
وَحَدِّقْ في عين الكاميرا
سنُحوِّلُكَ إلى بطل
رغم أنف الهزيمة

كيف طَوَيْتَ عشرةَ بلدانٍ
في أقلَّ من شهر؟
كيف كُنْتَ محاصَرًا بالماء
في رحلة العطش الكبير
إلى مُدن الرّماد؟

اُبْسُط الخرائط
والخُطَط
وَاحْكِ الحكاية
من النّهاية
لدَيْنا متفرِّجون متعاطِفون
وآخرون غير مُكْتَرِثين
حَدِّثْهم عن أهْلِ الحرب
عن حربِ الأهْل
وعن الشمس
تَغْرَقُ
في دم العشيرة

لوحة للفنان الكولومبي لويس أرديلا  (Getty)

(أكشن)

أنا يونس
لا أهْلَ لي
لفَظَني مَوْجُ البحر
وخذلَتْني شُجَيْرَةُ اليَقْطين
سأحدِّثُكم
عن غابة السيوف
تحتلُّ شجرَ العائلة
سأحدِّثُكم
عن الكلاب
تأكلُ الجُثَث
عن رائحةِ المَوْتِ
في الطُّرُقات
سأحدِّثُكم
عن الحرب

أمّا الأهْل
…. …. ….
نحنُ الأهْل
هرَبْنا من مهرجان القتل
حيثُ الذّبابُ يُغَطّي
حلبةَ الرّقص

فيما الوطن
…. …. ….
راح الوطن
تناهبَتْهُ العقائدُ
وعمَّرَهُ الغُزاة

(كات)

على رِسْلِكَ
أيّها الكومبارس
أنتَ هنا لاجئٌ
مُسْتَجير
أهلوكَ من الأعراب
يُؤْثِرونَكَ شهيدًا
أو شريدًا
ليَنْثُروا بعضَ الورود
على غيابِكَ
وبعضَ الرِّثاءِ المُفَسْبَك
أنتَ الآن في جنّةٍ آمنةٍ
غَرْبَ الجحيم
نَسْتَقْبِلُكَ بالفلاشات
والإعانات والاستمارات
فعَبِّئ الطّلب أيّها الكومبارس
وَأعْفِنا من هذا الشعور
الثقيل بالذّنب

(أكشن)

لقد ضِعْنا
ما بين جنّةِ الرّب
وَجَنّةِ الغَرْب
فماذا يُضْمِرُ لنا العالَمُ
ذو الضميرِ الحيّ
بعد هذا الشّتات؟

(سلِّطوا الأضواء الاستباقيّة
على هذا البطلِ المُفَبْرَك
ربّما كان إرهابيًّا
في طوْرِ التّكْوين)

بطولتي
هزيمتي
أنا الهاربُ
من التّجْنيد والتّصْفيد
من التّفْجير والتّكْفير
مُدْبِرٌ من حَتْفي
طالِعٌ من رَحم الفَناءْ
أحلامي مُنَكّصةٌ
وَراياتي مُنَكّسةٌ
بيضاءْ

كأيِّ موسى زائفٍ
خطّطَتْ أمّي
دونَ سابقِ وَحْيٍ
قذفَتْني في التابوت
فقذفَتْني في اليمّ
فألقاني اليمُّ بالساحل
لتأخذَني الآن
على حين غِرّةٍ
تُرْديني قصّةً مصوّرةً
قصّةً مزوّرةً
وَلا أدري
هل أنتَ عدوٌّ
أم صديق؟

(كات)

لنغيّر المشهد

(ترافلينغ / دولي إن)

“بارْك ماكسيمليان”
وقَدْ تحوَّلَ إلى مخيّمٍ

الصباحُ نَسِيَ أن يستيقظ
هذا الصّباح

كاميرا متلصّصةٌ
تختلِسُ المشاعرَ والمصائرَ
واللقطاتِ المُسْتَعِرَة

(زووم إن)

يُقَبِّل محمدُ فاطمةَ
ولا يخشى في الحُبِّ
لِحْيَةَ داعِشٍ

(زووم آوت)

خلْفَ خيمةِ الحبّ
أطفالٌ يتقافَزون
خارج الإطار

(أكشن)

تسأل المذيعة الشقراء
– من أين جئتِ جميلتي؟
ببراءَةِ الأطفالِ ردّتْ
– من حَلَبَ الشهباء

كانت شهباء
قبل أن تشيب
من هَوْلِ ما رأتْ
يُرْدِفُ الكومبارسُ المَنْكوب

(كات)

لا نريدُ مَشْجَاةً
تسُدُّ الشهية للحياة
نريدُ فرحَ الأطفالِ
بالشوكولاتة
فرحَ الكبارِ
بالبيرة الوطنيّة
لِنُغْرِقَ المأساة
في الملهاة

(يطلُع الكومبارس من دَوْرِه)

أيّها المُخْرِجُ
المُدَجَّجُ بالوَميض
دَع التراجيديا
تَعْبُر سماءَنا
مثلَ غيمةٍ سوداءَ
تُعلنُ الحِدادْ
فالموتُ
محنةٌ مقرَّرَةٌ
وَالقتلُ
مهنةٌ مقدَّرَةٌ
وَنحنُ
قربانُ الحكاية

أيّها المُخْرِجُ المُلْهَمُ
اِدَّخِرْ حَبْكَتَكَ المُنَمَّقَة
لسيناريو قادمٍ
لا نريدُ جنّةً
تَرْعاها الأسلاكُ
والأختام
يا مَنْ لدَيْكَ العديدُ من الأجداد
في هذي البلاد الصغيرة الواطِئَة
لا تَنْسَ أنّكَ مثلي
سليلُ لاجئٍ
مطرودٍ من أجل تفّاحة
حطَّ بهذا العالم الأجْرَدْ
يحملُ مشاهدَ قديمةً
عن الفردوس الذي في السماء
وبقايا معجزاتٍ
بالأبيضِ والأسوَدْ.

بروكسل، سبتمبر 2015
(شاعر مغربي مقيم في بروكسل)

* من ديوان “بسمتكِ أحلى من العلم الوطني” الصادر حديثا عن منشورات المتوسط