وقعت أعداد غير قليلة من الباحثين والسياسيين الحزبيين، في الحركات السياسية السورية، في خطأ تقييمي، كانت له آثاره السياسية – الأديولوجية الكبيرة، حينما اعتبروا حزب البعث حزباً للبورجوازية الصغيرة، التي، لم تكن سوى، جماعات اجتماعية مبعثرة في الأرياف والمدن المتوسطة والصغيرة، لم تتملك وعياً ذاتياً بمصالحها، ولم تشكّل في تاريخها حزباً سياسياً.

قدّم حزب البعث للبورجوازية السورية، ما عجزت عن إنشائه طيلة مسيرتها السياسية، حزباً مركزياً، قادراً على بسط سيطرته على كل البلاد، والتعبير الأوسع عن الفئات الاجتماعية البورجوازية الجديدة التي بدأت تبرز بعد التحديث الانتدابي (1925- 1945) لبيروقراطية الدولة، الذي شمل خريجي الجامعات والمعاهد والعسكريين الطامحين، بعد دمجها قسراً أو طوعاً في مشروعه الاقتصادي، بخطاب سياسي – أيديولوجي متماسك، معتمداً على الجيش، أداة الدولة الرأسمالية الأكثر انضباطاً وتنظيماً وقهرية، والقادرة من دون عناء، على سحق الخصوم وتفتيتهم وانتزاع ولاءاتهم أو كتمها.

فرض نفسه موضوعياً حزباً للبورجوازية السورية، ممهداً لها بحركة تحتية عميقة، شملت التفاعل الحي بين أطروحاته وبرنامجه وقواعده، بالتلازم مع بيان ومقارعة بهتان أطروحات الأحزاب البورجوازية الأخرى. تعزز ذلك بالاندماج مع الحزب الاشتراكي العربي، الذي منحه القاعدة الشعبية بمضامينها وحمولاتها الاجتماعية، التي انعكست في برنامجه، الذي أمسى يؤكد إعادة توزيع الثروة، والحدّ من الملكيات الكبيرة للأرض، والضمان الاجتماعي، وضرورة تشريع قوانين العمل، وإنشاء النقابات الحرة، وتأمين الحدّ الأدنى لمستوى المعيشة، وحلّق مع حزمة من التأكيدات السياسية، تبدأ من الاستقلال العربي والوحدة العربية وتحرير فلسطين والعدالة الاجتماعية في صيغة الاشتراكية العربية. بعد أن كان حزب البعث مغناة رومانسية، تتقوى بالميتافيزيقا الروحانية والعجائبية التاريخية، المصطفاة بعناية غائية، لاستنهاض أرواح الشعوب العربية الميتة، من نواويس أقدارها التاريخية.

تمكن بعدها من انتزاع الموقع الأكثر تعبيراً عن هذه البورجوازية، الكسيحة سياسياً والعقيمة فكرياً. وما لبث أن شيّد أوسع العلاقات معها، بإخراجها بعد “دفّعها الثمن” من حالة العجز السياسي، الذي تبدى عليها بعد التغيرات التي طرأت على العالم بعد الحرب العالمية الثانية، ووضعها في حالة من البلادة ومحدودية النظرة الطبقية – السياسية، بعد التغير النوعي في مرجعيتها السياسية ومرشدها الفكري ورهاناتها، أي، طرد الإمبرياليتين الفرنسية والبريطانية من موقع الصدارة العالمية.

عسكريو الحزب، هم أكثر من فهم التحولات التي طرأت على الاستعمار القديم والتحولات نحو الأقطاب الجديدة في العالم: الولايات المتحدة الأميركية / الاتحاد السوفييتي، وربما كانوا موضع رهان القوى الدولية الخارجة بانتصاراتها من الحرب العالمية الثانية. ولا نعدها مجازفة فكرية، تلك التي ما انفكت تعتبر فئة الضباط، مستودع القوة السياسية الواعية، في الوقت الذي كانت الطبقة الحاكمة التقليدية قد أفلست، ولم تكن القوى الأخرى النامية قد تبلورت بعد، فأخذت الجماهير ترفع هذه الفئة إلى منزلة المخلص المنتظر. عكست هذه المقاربة لوضع الجيش، تطلع الراغبين “الدوليين” في إحداث تغييرات سريعة في منطقة لم يكتمل وعيها السياسي، ليساهم في رفعها إلى موقع قوة اجتماعية، تستطيع أن تحقق بقدراتها الذاتية، ما يحققه ضغط الرأي العام الواعي والمنظم في البلدان الأوروبية على سبيل المثال.

يمكن اعتبار انقلاب 8 آذار 1963، تجسيداً للحظة التاريخية التي أفصحت عن اكتمال الوعي الذاتي عند متحد العسكريين البعثيين – الناصريين، بقوة أداتهم ونضج مشروعهم في آن. حيث انتزعوا المبادرة السياسية بالتمام، التي تعثرت عبر تاريخها في تجربتي انقلابيّ العقيد أديب الشيشكلي المتتاليتين، وتوضعت على الأسس ذاتها. جمعهم معها امتلاكهم رؤية متقاربة للاستعصاء المرحلي الذي دخلته الأدوات السياسية – الأيديولوجية للبورجوازية السورية التقليدية عبر كتلاتها الوطنية المنقسمة إلى (حزب الشعب/الحزب الوطني)، فضلاً عن العقم الفكري الذي لازم الحركة الشيوعية بمرجعيتها السوفييتية، التي لمّا تزل تراهن على دور وطني وتنموي وتحرري للبورجوازيات العربية، عبر تحميل هذه البورجوازيات مهام عاجزة عن حملها، والدفع بها ومؤازرتها الأيديولوجية – السياسية لتحقيقها.

تكاملت في التجربة البعثية العناصر السياسية – الأيديولوجية – الطبقية، وأمست أكثر نضجاً، على الرغم من ذلك احتاج توضيح خياراتها، وتصفية بقايا رومنسيتها، وشركائها من القوميين الناصريين، مع موكب طويل من الرفاق الحالمين بمجد عربي ينبثق ككائن نوراني من أجداث متواليات الخدائع الاستعمارية، والاستكلاب الانتدابي وحلفائهم من أعيان المدن وملاكي الأراضي الغائبين، إلى أربعة انقلابات عسكرية متعاقبة، آذار 63، تموز 63، شباط 66، تشرين الثاني 70.

على الرغم من التباينات والمفاضلات السطحية بين الانقلابات الأربعة، إلا أنها حافظت على حزمة من الثوابت المشتركة، التي ستُكوّن المجال السياسي – الحقوقي، لحركية البورجوازية السورية:
– تقويض الديمقراطية – البرلمانية، واقتلاعها نهائياً، كإطار سياسي – حقوقي تنتظم داخله الصراعات السياسية.
– الالتفاف على مهمة إنجاز الوحدة العربية وتحرير فلسطين، وإنتاج خطابات سياسية – أيديولوجية، تبرر حالة العجز، بالهروب المتواصل إلى الأمام.
– منح الدور المركزي لقطاع الدولة الرأسمالي في التنمية، عبر السيطرة على وسائل الإنتاج وفق إجراءات التأميم واستثمار الأراضي المشاع، بعد إلحاقها بملكية الدولة الرأسمالية. والعمل على توفير الدعم لنموه من الاتحاد السوفييتي والمنظومة التابعة له، في إرساء البنى التحتية وتحديثها(السدود/ الطرقات/ السكك الحديدية/ الجسور/ استصلاح الأراضي الزراعية/القروض المالية/ التسليح..)، ومن حصتها من عوائد الريع النفطي الخليجي والليبي والمحلي، للإنفاق الاستهلاكي.

احتاجت البورجوازية السورية، أيديولوجيا تغطي عيوبها الطبقية وتبرر عجزها الوطني، ووجدت في البعث وعناصره العسكرية مخرجاً ممكناً. على الرغم مما وسم هذا اللقاء من صراعات وإعادة اصطفاف، وفقدان الأمل في أي مخرج واقعي آخر.

رغبت، هذه الطبقة الاجتماعية، في حبور مضمر أن تصغ علاقتها السياسية – الأيديولوجية، باستهلالية السيدة أم كلثوم “الحبّ كله”، فارتبكت عن خجل مرئي، فكتبت عوضاً عنها: الحزب كله.