حين تقرأ له شعرًا يروقك إلى درجة لا تتصور معها أنه يمكن أن يحترف شيئًا آخر غير ذلك. وحين تقرأ له نثرًا، حكْيًا كان أو غيره، تخال الرجل مثقفًا من مالكي أسرار اللغة. بيْد أنك ما إن تلج مرسمه في الشارقة، أو تزور معرضًا له، حتى تكاد تجزم أن الرجل لا يتقن غير فن اللون والشكل والتعبير التصويري. أميل إلى تفضيل هذا الجانب الأخير، لا تحْجيمًا للجوانب الأخرى، بل لأن تصويرية شعره البلاغية والحكائية تكاد تنطق بكل اللغات في أعماله التشكيلية.

الفنان السوري المقيم بالشارقة، إسماعيل الرفاعي، يملك أكثر من سهم في قوسه، كما يقول المثل الفرنسي. ومن يكن كذلك لا يمكن إلا أن يصيب أكثر من هدف. حين بدأ الرفاعي التشكيل من سنوات غير بعيدة، كان محمولًا على هوى الشعر الدافق في مخيلته. أضاق به التعبير، والعبارة عبور كما يقول ابن عربي؟.

ينحت شاعرنا لحظاته الشعرية من دماء اليومي والمحسوس، ويترجم المرئي إلى حسّية تعددية تتطلب أن نرى اللغة ونسمع الصمت – حسب المتنبي ونيتشه-. هذا ما قد يفسر الانزياح الجارف نحو عوالم جديدة تتمثل في امتهان التشكيل. بيد أن ذلك لا يفسر كليةً هذا العبور إلى عالم غريب إلى حدّ ما عن عالم اللغة. علينا أن نتوسل بحس المغامرة و”فحولة”أو حسية الفن التشكيلي وما يوفره من علاقة جسدية مباشرة بالعالم، مما استهوى الشاعر/الروائي لأن يحول اللغة إلى تعبير ممكن، بعد أن كان يمنحها قداسة الفعل الإبداعي.

ثمة ما قد يفسر، أيضًا، هذا الانتقال لدى الرفاعي من التجريد إلى التشخيص. فالفنان مهووس بما يحاور منه العين والذاكرة والحلم. وهو حساس لهشاشة الكائن ولِما يكون مهانة للحياة. ثمة، أيضًا، ما يبرر التحولات المتوالية التي كانت تشكل منعطفات، من غير أن تشكل قطائع. ذلك أن اللمسة تظل همًا ومعها الإيقاع. فالإيقاع أمر يخترق أعمال الرفاعي من بدايتها إلى اليوم. وكأنه قدرها الصامت، أو لحن قصيدتها الذي يتخللها مثل ضوء النهار ومصابيح الليل.


حين زرته في مرسمه بالشارقة من سنوات، كانت أعماله تضج بالنور، وكأنها تستلهم مباشرة من الشمس سيرتها المنورة. كان الأزرق والأبيض يتمازجان أحيانًا ليمنحانا لوحة أشبه بالسماء. وكانت الوجوه من الوضوح بحيث تكاد تنبئ بموقعها في شجرة أنساب تجربة الفنان الحميمة. خلت المرسم أشبه بذاكرة له، يرسم فيه أحلامه وهلوساته والكثير من نبض خياله. المرسم رواية الكاتب الخفية، والكائنات سيرته الممهورة بالعشق.

استوقفتني تلك العلاقة التي تربط بين الفنان وأعماله، وذلك البرزخ الضاج بالشعر والحكايات. كل كتابة هي سيرة للمرئي كأحلامنا واستهياماتنا ومعيشنا بقدر ما هي بلبلة للامرئي، أي حكي شهرزادي ذو طابع متاهي. كل تشكيل هو كتابة من نوع جديد؛ لا نحْوَ فيها ولا صرْف ولا بلاغة، لذلك الازدواج الذي يعيشه الفنان كمفارقة قبل أن يعيشه كفارق.

غير أن الاغتراب فعَل فعْله. والأم الجميلة بشكل مطلق سوف تتضبب صورتها ويعلوها سخام الدمار. هكذا سيتم الانتقال من بهجة المفارقات إلى مأساويتها.


أخصبت التجربة الجديدة المفارقة وحولتها إلى فارق، أي إلى اختلاف وتميز. فصرنا أمام أحجام أكبر، وأمام كائنات يخترقها الألم والجرح، ومع ذلك تكابر مأساتها العنقودية. هكذا صارت أعمال الفنان تتناسل في قبو الحياة، متلفعة بالرمادي والأسود، تكاد الشمس التي أنارتها في الماضي تغيب من أفقها بالمرة.

عبّر الرفاعي عن نفسه الفنية في صفحته على “فيسبوك” : “في المرسم.. كيف لا تسقط الروح في الغيب.. والأسود يجهرُ بكلّ هذا الوميض/ من أين تأتي الألوان كلها.. من أين تأتي؟/ أكان عليّ أن أسقط في نفسي كلّ هذي السماء/ كي أهبط على أول الأرض/ وأغرق الوجوه بكل هذا البكاء؟”.

يقال إن الأسود تعبير عن اللا لون وإن الأبيض جماع الألوان. ومع ذلك يُعتبر الأبيض لون الخلوص والنقاء وهو أهْجن من برْكة آسنة، تمنح له كل الرموز الإيجابية والدينية والروحانية، في الحين الذي يغدو فيه الأسود (أي اللالون) أشبه بمزبلة للألوان. لم أفهم أبدًا هذا الأمر، مثل أني لم أفهم أبدًا أن التجريد تعبير عن الروحاني أكثر من التشخيص. مع ذلك أحسست أن الأعمال الأخيرة لإسماعيل، على الرغم من طابعها النضالي المباشر، تشي بدخوله تجربة جديدة لها بعد صوفي متنامٍ وأكيد. السواد ليس بالضرورة حدادًا – فالأبيض لدينا بالمغرب العربي تعبير عن الحداد -، كما أن انسياب الصباغة في اللوحة ليس بالضرورة دموعًا. ما يمكنه هذا الطابع التعبير المتحرر في اللوحة هو تجسيد المأساة والتجسُّد فيها. أو لنقلْ مع ابن عربي إنها جَسْدَنَة للمأساة. فسواء أتعلق الأمر بالبورتريهات أم الكيانات المتعالقة والمتواشجة، نحس كأن الفنان قد تخلى عن البورتريه أو عن الجسد الذي يوحي بكيان معين، كي يدخل في تجربة أجساد ووجوه “مؤسلبة”، تحمل في طابعها المجهول القدرة أكثر على تعيين المأساة، أي على نَكْأ جراح الواقع. من ثمَّ تلك الوِضْعات للأجساد: فإما نراها واقفة وما هو بوقوفٍ، أو مستلقية وما هي كذلك أو – وهذا هو الوضع الأكثر معنى وإشكالية – نُلْفيها في وضعية جَنينية، وكأنها تولد من جديد في أعيننا وفي جسد اللوحة الخلاق.


الجسد الأنثوي يفقد أنثويته ويغدو كيانًا ممكنًا، والوجه يغدو أيقونة

تتكاتف الأجساد وتتآلف. تتعاضد وكأنها تعيش في الآخر. الجسد الأنثوي يفقد أنثويته ويغدو كيانًا ممكنًا، والوجه يغدو أيقونة. إنها أيقونات تبدو وكأنها خارجة من قبور التاريخ. وفي ذلك يستعيد الفنان تاريخه المحلّي المتعدد، وهنا بالضبط يبني عالمه الرمزي الأيقوني والحركي، وكأنه يبني كنيسة تصوُّرية ليوحّد فيه آلام البشرية. إنها فضاء يشبه المغارة التي يكتشف زائرها أن التشكيل تعبير وعبور، بقدر ما هو رقيَّة تخفّف من الآلام المُحيقة بنا.