حين توجّه “ملحق الثقافة” إلى الشاعر والروائي محمد حمودان لسؤاله عن الكتابين اللذين ترجمهما مؤخرًا إلى اللغة العربية؛ رواية “أم الربيع” للروائي المغربي الراحل إدريس الشرايبي، وكذلك كتاب “رسائل إلى إيف” لبيير بيرجي، آثر حمودان بدء جوابه من دار النشر؛ دار الأعمدة للنشر، التي انبثقت من مكتبة تحمل الاسم نفسه: “يتعلق الأمر بمكتبة قديمة تعود إلى 60 سنة، إذ فتحت أبوابها سنة 1949، واستقبلت في عصرها الذهبي قامات أدبية عالمية، من بينها: صموئيل بيكيت وجان جينيه وخوان غويتسيولو وترومان كابوت وبول موران، إلى جانب جين وبول بولز، ومحمد شكري وطاهر بن جلون وآخرين.

كادت المكتبة أن تختفي نهائيًا، لولا أن بيير بيرجي، عاشق طنجة الكبير، تدخل وأنقذها، فعاودت نشاطها في نهاية سنة 2010، ثم اضطلع بالمسؤولية طاقم جديد، مُطلِقًا مشاريع جديدة، حتى تصبح هذه المكتبة منارة وفاعلًا كبيرًا في هذه المدينة المغربية المفتوحة منذ الأزل على كل الآفاق. وأصبح يديرها سيمون بيير هاملان، منذ سبع سنوات، كما أطلق فيها مجلة أدبية تحمل اسم “نجمة”. وتتوزع الكتب والدراسات التي تعرضها المكتبة بين اللغات الأربع: العربية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية. ومنذ سنة 2011 أصبحت للمكتبة دار نشر خاصة بها، وابتدأ نشاطها من خلال إصدار مجلة نجمة، التي كرّست أعدادًا خاصة لجان جينيه وبول باولز ومحمد شكري”.

عن الترجمة

ونظرًا إلى هذه العلاقة الوثيقة التي تجمع محمد حمودان مع دار الأعمدة للنشر، كان لا بدّ من سؤاله عن الكتابين اللذين ترجمهما، فقال: “في ما يخصني، فقد ترجمت لهذه الدار الجديدة، التي تنشر باللغتين العربية والفرنسية، رواية “أم الربيع”، للروائي المغربي الراحل إدريس الشرايبي، وأيضًا كتابًا لبيير بيرجي الذي هو عبارة عن رسائل كتبها بيرجي إلى رفيق حياته المصمم العالمي الشهير إيف سان لوران. أصدرت الدار أربعة كتب، من بينها كتاب سليم جاي: “أحمد البوعناني في مكتبتي”، وستصدر قريباً في طبعة باللغة الفرنسية والعربية، وهو كتاب يجمع بين نص “أربع ساعات في شاتيلا” للفرنسي جان جينيه، من ترجمة الكاتب محمد برادة، ومقابلة مطولة مع ليلى شهيد، المناضلة الفلسطينية المعروفة وسفيرة فلسطين في بروكسيل، أجراها المسرحي جيروم هانكنس، وقمت بترجمتها إلى اللغة العربية”.

هذا المسار في الترجمة، لم يبدأ الآن بالطبع، بل إن وراءه سنوات من الترجمة، هذا ما قاله حمودان لـ”ملحق الثقافة”: “بعد إصدار ديوانين شعريين في بداية تسعينيات القرن الماضي، بدأت نشر نصوصي الشعرية في مجلة “شعر” الفرنسية منذ سنة 1995، التي يديرها ميشيل دوغي. وفي سنة 2003 عبّرت لمسؤولي المجلة عن استغرابي من إعداد ملفات عن شعراء صينيين وآخرين بعيدين، من دون التفكير في ملف عن شعراء عرب أو مغاربة، يتقاسمون الشيء الكثير مع نظرائهم الفرنسيين. فتم تكليفي بإعداد ملف عن “الشعر المغربي الجديد” وترجمة بعض نصوصه المكتوبة باللغة العربية والتقديم لها.

وبعد عشر سنوات على هذه التجربة، طرحت على مدير مكتبة “الأعمدة” في طنجة فكرة ترجمة كتاب الراحل محمد لفتح: “المعركة الأخيرة للكابتن نعمت”، وكانت أول ترجمة من الفرنسية إلى العربية، وأنجزتها كتحدّ، لأكثر من سبب: أولًا، لأني أؤمن بأن اللغة العربية ليست فقط لغة المقدّس، وبالتالي أستطيع أن أترجم وأكتب وألامس تابوهات، وثانيًا، تحدي ترجمة فرنسية محمد لفتح، التي تتميز بطول النَّفَس وطول الجملة وتكرار النعوت والأوصاف، كما جاء ذلك بسبب تقديري لمحمد باعتباره صديقاً راحلاً، كان يقيم في مصر، وينتظر بشغف أن تُتَرْجم نصُوصُه إلى اللغة العربية التي كان يعشقها ويقرأ بها”.

بين الشعر والرواية

لمحمد حمودان كتب شعرية وأخرى روائية، ونظرًا إلى الاختلاف بين هذين الجنسين الأدبيين، سأل “ملحق الثقافة” إن كان يفضّل أن يلقب بشاعر أم روائي، فأجاب: “أنا أؤمن أن الكتابة تتعالى على الأجناس الأدبية، وتتجاوز حدود التصنيفات. إذ يوجد، على الأقل في ما يخصني، نثر في شعري ويوجد أيضًا شعرٌ في أعمالي النثرية. لكني لا أترك أبدًا المجال لكل ما هو “نظري” ليشوّش على عملي الإبداعي. أنطلق دائمًا من المعيش، من عنفه وتناقضاته، وهو ما يغذي لغتي ويجعل منها أحيانًا كثيرة لغة متوحشة وعنيفة يتخللها الغضب والسخرية السوداء.

فأنا أشتغل كثيرًا على اللغة وعلى الشكل من دون أدنى تكلّف، وأعمل على إلغاء الحدود بين الأجناس الكتابية. ومن خلال اللغة الفرنسية، التي أكتب بها نصوصي الإبداعية، أخلق لغتي الخاصة، وأحاول الوصول إلى نزع القداسة عنها من خلال تعنيفها، وإعادة بنائها وتركيبها بما يتناسب مع مزاجي وشخصيتي، تاريخي وكياني ورؤيتي الخاصة للعالم”. ويفسّر الأمر أكثر إذ يضيف: “أظن أن الحالة النفسية هي التي تحدّد بصفة عامة الشكل الكتابي الذي أعبّر من خلاله. إلا أنني أطرح دائماً على نفسي هذا السؤال: ما الضرورة التي تحتم عليّ كتابة الشعر أو الرواية؟ فأنا لا أكتب إلا إذا انتباني شعور قوي بضرورة الكتابة. وإذا استعملت كلمة “ضرورة”، فلأني لا أعدّ نفسي موظفًا للكتابة ولا مستلبًا بها. الكتابة تظلّ بالنسبة لي حقلًا أمارس فيه حريتي المطلقة، حريتي من الكتابة نفسها، من دون الحاجة إلى طقوس ومزامير وطبول”.

أفضّل أن أُقارن بجان جينيه

يكتب حمودان بلغة موليير ويرى البعض شبهًا بين أسلوبه الكتابي وأسلوب سيلين، إلا أن حمودان يعلّق على ذلك بقوله: “لقد حاول البعض مقارنتي بالكاتب سيلين، ولكن المقارنة، إذا كان لها من بدّ، مع جان جينيه تظل الأفضل، لأن هذا الأخير كتب بلغة “العدو الطبقي والاجتماعي”، وتجاوزه رمزيًا، عن طريق اللغة. وإذا كنت أعترف بأني أشتغل بحرية في اللغة الفرنسية، فأنا أعارض كل من يقول إن اللغة الفرنسية أكثر حرية من اللغة العربية، ولعل الأمثلة والأسماء لا تنقصنا في هذا المجال”. ويستطرد حمودان واصفًا أسلوبه الكتابي: “لا أوافق رأي الذين يحاولون عبثًا أن يجدوا لي “أباً روحياً”. فأنا قتلت “الأب” حتى قبل أن أولد للكتابة. وبدمه، دم الجريمة، أسطّر كلماتي الآن. أضف إلى ذلك، فإن الإسقاط ووضع الكاتب في خانات وقوالب مُعدَّة سلفًا، تنفي أصالة المبدع وتفرّده، ومن هنا أكاد أجزم أن الكاتب المغربي الراحل محمد لفتح هو الذي تفهّمني بشكل أفضل، إذ قرأ نصوصي بعمق ومحبة وبطء، فقد كتب في مقال له بعنوان: “صوت شاعر كبير”، ملخصًا تجربتي: “أراد البعض بأي ثمن إدراج قصائد حمودان في سلالة معينة، وأن يجد له سابقين ذوي مقام كبير. إلا أن حمودان، وهو يتشبت بوحدة المبدع، المكتشف لقارات عذراء، يصرح بتواضع: “لا أنتسب إلا إلى هذه الموسيقى الآنية وإلى وثباتها الشاهقة المسببة للدوران القاطعة للنفس. لا أنتسب إلا إلى فواقي وهُوَتي. لا أنتسب إلا إلى حُمّتي التي ترويها أنهار من الحمم المنصهرة”. صوت حمودان يرج القارئ. وهذا هو الدليل الملموس والأكيد، ما وراء كل الخطابات المعقدة وكل التحاليل العلمية، بأننا أمام شاعر كبير”.

وبعد ذاك، يفصح حمودان عن الوجهة التي يهواها ويميل إليها: “باختصار، أميلُ، منذ أن بدأت قراءة الأدب، إلى الكتّاب والصعاليك في كل اللغات، لكن لا أجدني تابعًا لأي قبيلة شعرية. وكما قلت، فأنا أشتغل على اللغة، لكن من دون السقوط في شَرَك الشكلانية المفرطة أو التجريبية ولا أتعامل مع الأيقونات إلا من خلال كسرها”.