منذ الإعلان عن الترشيحات الرسمية لجوائز “أوسكار” الـ 88، في 14 يناير / كانون الثاني 2016، ترتفع أصواتٌ مناهضة لـ “أكاديمية الفنون والعلوم السينمائية”، بسبب “ازدرائها” السود، من خلال عدم ترشيح أي أسود في فئتي التمثيل الرجالي والنسائي تحديداً. غير أن “العنصرية” الهوليوودية ضد السود “مزمنة”، في حين أن الاستديوهات الأساسية تمارس نوعاً من إقصاءٍ مقصودٍ للنساء عن العمل، خصوصاً عندما تبلغ الممثلة سنّاً معيّنة، في حين أن التفاوت بينهنّ وبين الممثلين كبيرٌ جداً على مستويي الأجور وحجم الأدوار.

“ازدراء”

“أن تحصل على رئيسٍ أسود للولايات المتحدّة الأميركية، أسهل بكثير من أن يستلم أسود رأس الاستديوهات السينمائية الكبيرة”. يختصر السينمائي الأميركي سبايك لي واقع الحال بصرخةٍ تعكس مرارةً وغضباً وألماً، في ظلّ استمرار ما يُمكن وصفه، من دون مبالغة، بـ “عنصرية” هوليوود تجاه الأقليات والنساء. المأزق الجديد نابعٌ من تجاهل واضح للسود في الترشيحات الرسمية لجوائز “أوسكار” 2016، تلك التي لم يستطع معها سينمائيون أميركيون عديدون البقاء صامتين. فالعنوان المعتَمَد في صحف أجنبية إزاء المسألة هذه يعكس فداحة الواقع، ويضع الجميع أمام مسؤولية أخلاقية، لا تتغاضى عن الجانب المهنيّ ذي المستوى المهمّ تمثيلاً وإخراجاً واشتغالات درامية وفنية وتقنية مختلفة، لذوي البشرة السمراء، أو للأفرو أميركيين.

يقول العنوان الصادم إن هوليوود مستمرة في “ازدراء” السود، ما يشير إلى أن النقمة من أفعالها تبلغ مرتبة عالية، وأن المواجهة الآنية تحاول التذكير بالمآل التي تصل إليه صناعة الترفيه الهوليوودية، وهو مآل “سلبي”، كي لا تُستعمل تعابير “جارحة” أو “عنصرية” أيضاً بحقّ “أكاديمية الفنون والعلوم السينمائية”، والاستديوهات الكبيرة والصغيرة، وعالم المال والإنتاج.

الـ “ازدراء” مفردة بليغة، لأنها تختزل جوهر المعاناة التي يعيشها أولئك الذين يجتهدون، منذ سنين بعيدة، في إثبات جدارة إبداعية في العمل السينمائيّ، تؤهل كثيرين منهم لنيل أرفع الجوائز السينمائية الأميركية، بعيداً عن كلّ لغة تحتمل عنصرية ما، كأن يُقال إنه من الضروري إيجاد “توازن” بين البيض والسود مثلاً في أمور العمل والجوائز، أو كأن يُقال إن اختيار هذا العدد أو ذاك من السود في العمل والجوائز مردّه ضرورة التساوي بين الجميع.
بمعنى آخر، فإن طرح سؤال غياب الممثلين السود عن لائحة الترشيحات الرسمية لجوائز “أوسكار” يجب ألاّ ينطلق من همّ أخلاقي ـ اجتماعي فقط، على الرغم من أهميته القصوى، لأن هؤلاء مؤثّرون في الصناعة، ومبدعون في إنتاجاتها، ومثابرون على إيجاد وسائل تعبير أدائيّ وإنتاجيّ وإخراجيّ تتفوّق على نفسها أحياناً في اختراع لغة إبداعية. الترشيح، في الحالة هذه، يُفترض به أن يأتي من حيوية العمل الجدّي والمهمّ للسود (ولغيرهم أيضاً)، وليس أبداً من لون البشرة، كمحاولة “بيضاء” لرفع تهمة العنصرية عن هوليوود.

هوليوود محافِظة

لكن هوليوود، وإنْ لم تكن عنصرية (وهذا أمرٌ مشكوكٌ به)، تلتزم ثقافة محافظة ومتزمّتة أحياناً في آليات اشتغالاتها الصناعية والتجارية والاقتصادية على الأقلّ. لا تُبعد السود من مشاريعها، لكنها تتجاهل مواقعهم الفنية المفتوحة على تنويع بصريّ في مقاربة الحكايات شكلاً ومضموناً. تتيح لهم إنتاج أعمال تتناول تاريخهم وواقعهم ومكانتهم الاجتماعية والثقافية مثلاً، لكنها تتغاضى ـ غالباً ـ عن منحهم بعض حقّهم، المتمثّل في جوائزها السينمائية.

هذا منصبٌّ أيضاً، وإن بطريقة أخرى، على الممثلات البيضاوات، إذْ ترتفع ـ بين حين وآخر ـ أصواتهنّ إزاء تجاهل حادّ لهنّ من قِبَل الاستديوهات الأساسية تحديداً، على مستوى الأجور، والأعمار، والأدوار ومساحاتها داخل الفيلم وفي المشاريع المُنتجَة سنوياً.

بعيداً عن واقع الممثلات ومكانتهنّ في هوليوود، والمعاناة التي يعشنها هنّ أيضاً في ظلّ سياسات هوليوودية “غير مريحة” لهنّ؛ فإن غياب السود عن لائحة الترشيحات الأخيرة يؤدّي بالمجلة السينمائية الهوليوودية المتخصّصة “فرايتي”، المعروفة بكونها إحدى أبرز المرجعيات الصحافية ـ الإعلامية الأساسية في صناعة السينما، إلى إصدار غلاف (قبل أيام قليلة) يحمل عنواناً لن يقلّ قسوة عن التصرّف الذي يسلكه أعضاء الأكاديمية في ترشيحاتهم وخياراتهم: “عارٌ علينا”. عنوان يحمل كَمّاً هائلاً من الانتقاد الحادّ لهوليوود كلّها، باعتبار أن “القطاع بكامله، من الاستديوهات إلى وسائل الإعلام، يتحمّل مسؤولية “نقص التنوّع” فيه، إنْ على صعيد الفائزين بالجوائز، أو على مستوى الأفلام المُنتجة”.

لن تكتفي المجلة بالعنوان المثير للانتباه هذا، لأنها تكتب ما يُشكّل لحظة تأمّل في أحوال صناعة لم تستطع ـ بعد 65 عاماً على “عصر الماكارثية” (1950 ـ 1954) في الولايات المتحدّة الأميركية، وبعد 51 عاماً على حصول سيدني بواتييه “أوسكار” أفضل ممثل (1964) عن دوره في “زنابق الحقل” (1963) لرالف نلسن، ليُصبح “أوّل ممثل أسود” ينال الجائزة هذه ـ أن تخرج من تقاليد جامدة ومتزمّتة ومتعالية، تحاصرها من كلّ جنب. تكتب المجلة: “في العام 2015، تمحور النضال القديم للحقوق المدنية في أميركا على أعمال العنف المرتكَبة من قِبَل رجال الشرطة، وعلى الطلقات النارية التي تودي بحياة مواطنين سود عزّل”.

تُضيف المجلة: “أما هذا العام، فتركيز نضال الأمّة من أجل الهوية والاندماج منصبٌّ على مسألة جديدة، هي هوليوود”.

هذا يُعيد إلى الواجهة موقف السينمائيّ الأميركي “الأبيض” المشاغب كوانتن تارانتينو، الذي يشارك في التظاهرات المندِّدة بعنف رجال الشرطة ضد الأقليات، إلى درجة أن هؤلاء يُطالبون بمقاطعة أفلامه. موقف يُعبِّر عنه تارانتينو بالقول إن سؤال “السيادة (المتسلّطة) البيضاء” مطروحٌ مجدّداً، إذ “يبدو لي أننا نعيش زمناً شبيهاً بستينيات القرن الـ 20 (مرحلة النضال من أجل الحقوق المدنية للسود في الولايات المتّحدة الأميركية)، عندما تمكّن الناس من كشف قبح المسألة، بهدف تغييرها”. في الحوار نفسه المنشور في “مجلة نيويورك” (أغسطس / آب 2015)، يُعلن تارانتينو تمنّياته بأن يكون واقع الحال الآنيّ شبيهاً بما هو حاصل سابقاً: كشف قبح المرحلة، بهدف تغييرها أيضاً.

غضب أسود

حدّة “الغضب الأسود” تدفع إلى ابتكار “هاشتاغ” بعنوان “الأوسكار بيضاء جداً”، للإشارة إلى خلوّ ترشيحات الدورة الـ 88 من أي ممثل أو ممثلة ذي بشرة سمراء. الـ “هاشتاغ” هذا، المنضوي على شيء كبيرٍ من حدّة “الغضب الأسود”، يثير فزعاً لدى ممثلين بيض، يجدون أنفسهم في واجهة المشهد. أبرز هؤلاء مات دايمون، المرشّح في فئة أفضل ممثل عن دوره في “المريخيّ” لريدلي سكوت، الذي لا يتردّد في الاعتراف بشعوره بالحرج والحيرة إزاء “الحالة المُذلِّة” هذه.


هل هناك حل؟ أم أن “الغضب الأسود” سيبقى مجرّد تنفيسٍ لن يُبدِّل شيئاً من واقع الحال الهوليوودي

“حالة مُذلِّة”؟ بالتأكيد. ذلك أن ما فعلته “أكاديمية الفنون والعلوم السينمائية” في ترشيحاتها الـ 88 يكشف ليس فقط “تغييباً” واضحاً للسود، بل ترشيحاً لبيضٍ يمثّلون في أفلامٍ لها علاقة بالسود. هذا ما تكشفه لائحة الترشيحات: فالنجاح التجاري لـ “سترايت أوتّا كومبتون” لـ ف. غاري غراي مثلاً، الذي يروي حكاية مجموعة من الشباب السود الذين يصنعون انقلاباً جذرياً وإبداعياً في صناعة الموسيقى الأميركية، لم يشفع بأحد من ممثليه السود في الترشيحات هذه، في حين أن الترشيح الوحيد يذهب إلى كاتب السيناريو “الأبيض” آلن وينكيس.

أما فيلم “كريد” لراين كووغلر، الذي يتابع تفاصيل السيرة الحياتية لملاكم أسود شاب، فيحصل على ترشيح في فئة أفضل ممثل ثان، ينالها “الأبيض” سيلفستر ستالوني. كما أن الحلقة الـ 7 من “حرب النجوم: يقظة القوة” لجي. جي. أبرامز مثلٌ إضافيّ على “الفضيحة” هذه: الإيرادات المذهلة التي ينالها الفيلم في عروضه التجارية الدولية (مليار و948 مليوناً و345 ألفاً و210 دولارات أميركية، بين 18 ديسمبر/ كانون الأول 2015 و26 يناير / كانون الثاني 2016، في مقابل ميزانية إنتاجية تساوي 200 مليون دولار أميركي) لا تُساهم في نيل الممثل البريطاني النيجيري الأصل جون بوييغا، ترشيحاً في فئة أفضل ممثل، على الرغم من استحقاقه الترشيح، على الأقلّ.

إذاً، هل هناك حلٌّ ما؟ أم أن “الغضب الأسود” ـ المؤدّي بممثلين وممثلات سود إلى “مقاطعة” حفلة توزيع الجوائز، المزمع إقامتها في 28 فبراير/ شباط 2016 في “مسرح دولبي” في لوس أنجلس ـ سيبقى مجرّد تنفيسٍ لن يُبدِّل شيئاً من واقع الحال الهوليوودي؟

خطّة إصلاحية أم خبطة إعلامية؟

في اجتماع “مكتب محافظي الأكاديمية”، تمّ التوافق على خطوات يُراد لها أن تكون إصلاحية، بـ “الإجماع”، بحسب تصريح لرئيسة الأكاديمية شيريل بوون إزاكس (هي الوحيدة في المكتب ذات الأصل الأفرو أميركي)، تهدف إلى تعزيز حضور الأقليات والنساء بين الناخبين، إذ إن الغالبية الساحقة من هؤلاء مؤلّفة من الرجال. الصحيفة اليومية الأميركية “لوس أنجلس تايمز” تذكر، في تحقيق لها منشور في العام 2012، أن الناخبين موزّعون كما يلي: 94 بالمئة بيض، و77 بالمئة رجال، ويبلغ متوسط الأعمار 62 عاماً. علماً أن الرقم المتداول بخصوص عدد أعضاء الأكاديمية كلّها هو 6200 عضو.

يُمكن اختزال الخطوات بما يأتي:
1ـ) لن يُعيَّن ناخبون “مدى الحياة”، كما هو الحال اليوم. فالخطوة الأولى كامنةٌ في جعل مدّة صلاحية الانتخاب 10 أعوام فقط، يفقدون حقّهم بالانتخاب خلالها في حال توقّف نشاطهم في صناعة السينما أثناءها.
2ـ) وضع معايير لتجديد ولاية الناخبين، تتمثّل بضرورة مشاركة كل ناخب 3 مرات على الأقلّ في عملية الاقتراع، أو أن يكون مرشّحاً لجائزة “أوسكار”، أو حاصلاً عليها.
3ـ) إضافة 3 مقاعد في “مكتب محافظي الأكاديمية” لرفع عدد ممثلي الأقليات والنساء في “جمعية إدارة الأوسكار”.
4ـ) تعديل معايير اختيارات الناخبين، بـ “إطلاق حملة دولية طموحة لاختيار أعضاء جدد مؤهّلين (لعمل كهذا)، يمثّلون أكبر تنوّع ممكن”.

فهل يكفي هذا، علماً أن الأكاديمية والصناعة السينمائية الهوليوودية برمّتها مُطالبتان بتغيير جذري في سلوكهما إزاء آليات العمل والجوائز؟
هذا ما ستُظهره الأعوام القليلة المُقبلة.

(كاتب لبناني)