يعد جاكسون بولوك (1912 – 1956) واحداً من أهم الفنانين الأميركيين وأكثرهم تأثيراً في الأجيال اللاحقة في الولايات المتحدة وخارجها، بل إن بعض النقاد يرون فيه “بيكاسو أميركا” أو “بيكاسو ما بعد الحرب العالمية الثانية”.

“جاكسون بولوك: استعرض المجموعة: 1934-1956″، هو العنوان الذي حمله المعرض المقام في متحف الفن المعاصر “الموما” في نيويورك. حوالي خمسين عملاً ولوحة يعرضها المتحف النيويوركي وترصد مراحل تطور بولوك، الذي توفي مبكرًا، إذ لم يتجاوز الـ 44 عاماً، بحادث سيارة كان يقودها هو برفقة صديق له وعشيقته تحت تأثير الكحول وتوفي على بعد ميل تقريبًا من بيته شمال ولاية نيويورك.

الحياة الشخصية معكوسة في الفن

يركز الكثير من النقاد والباحثين، وبصورة قوية، على حياته الشخصية وتقلباتها في رصدهم لمراحل تطوره الفنية. ويبدو هذا التركيز أحيانًا مبالغاً فيه، لأنه ينخرط بتفاصيل حياته الصغيرة بما فيها علاقاته العاطفية واكتئاباته الشديدة وإدمانه على الكحول، لتبدو أحيانًا مثيرة للاهتمام أكثر من نتاجه الفني وإبداعه.

تكمن أهمية هذا المعرض بأنه يشمل الأعمال التي شكّلت حجر الأساس في مراحل تطوره الفني والتقنيات والأساليب التي استخدمها في تلك المراحل المختلفة. ومن أبرز محطات تطوره كانت انتقاله من تصوير/ رسم الشخصيات الخرافية والبدائية إلى الرسم التعبيري والرمزي، التي أخذها إلى أبعد ما يمكن تقنيًا ليبتكر ما عرف بأسلوب “الرسم بالتنقيط” “drip painting” والسكب، كما تقول ستار فيغورا معدة ومنسقة المعرض في شرحها المرفق بأعماله.

في تقنيته وأعماله أسس بولوك لما عرف لاحقاً بـ “التعبيرية التجريدية”، التي نمت جذورها في الولايات المتحدة في الخمسينيات من القرن الماضي وانتشرت منها إلى أوروبا، وكانت أول حركة فنية أميركية تأخذ هذا التأثير خارج حدودها، لتؤثر ليس فقط على الرسم بل على النحت والفن الأدائي. ومما يجعل هذه المعرض مثيراً كذلك، هو كون جميع المعروضات من ممتلكات المتحف التي يصل عددها إلى 88 عملاً، الأمر الذي يدل على أهمية الفنان الأميركي بالنسبة لمتحف عريق وغني كمتحف الموما.

اللوحة “النجمة”

وسط الأعمال المعروضة تتصدر قاعة المعرض واحدة من أشهر أعماله وأضخمها حجماً: لوحته الشهيرة التي تحمل عنوان “واحد: رقم 31، 1950″، وحجمها 269.5 سم بـ 530.8. يقف أغلب الزوار طويلاً أمام هذه اللوحة بالذات، فضخامتها لا يمكن إغفالها، لكن الناظر من بعيد لا بدّ وأن يقترب كي يشعر بتلك النقاط والخطوط التي تبدو وكأنها رسم عشوائي، يأسر الناظر لأنه يحمل في طياته تعبيرًا عن مشاعر قوية، حاول بولوك رصدها بحركته داخل اللوحة، التي وضعها على الأرض ورسمها بتقنية التنقيط والسكب والرش بشكل مباشر على القماشة من دون استخدام الريشة، التي قال في أحد لقاءاته إنها تحد من مقدرته على الانسياب مع العمل.

كانت اللوحة قد اختفت عن أنظار الزوار العام الماضي، حيث كانت ضمن جناح المعروضات الدائمة للمتحف تأخذ مكانها إلى جانب أعمال أخرى لرسامين عالميين كفان كوخ وهنري ماتيس. ولم يكن سبب سحبها من المعرض الدائم مقترناً بالرغبة في عرضها ضمن المعرض الحالي، بل من أجل القيام بعملية صيانة معقدة، قام بها المتحف للمرة الأولى منذ امتلاكها عام 1968. من المثير أن عمليات الصيانة تتضمن وضع اللوحة تحت الأشعة فوق البنفسجية، مما
يظهر الطبقات المختلفة لعمل الفنان، كما يرصد تغييرات وصيانة سابقة حدثت على اللوحة.

يشير المسؤولون عن الصيانة، إلى أن التعمق في صيانة اللوحة، بما يتطلب ذلك من مسح وتنظيف وفحص لأنواع الدهان والمواد المستخدمة وطريقة استخدامها، يظهر بصورة جيدة مقدرة بولوك وتمكنه بصورة بارعة من المادة والأشكال التي كان يعمل بها، حتى لو أن بعضها يبدو كأنه محكوم بـ “العشوائية”.

لوحة لجاكسون بولوك (بإذن من متحف الموما للعربي الجديد)

أساتذة بولوك

وبتلك البراعة بالذات يشيد الكثير من النقاد، وليس فقط بكونه أحد المؤسسين لمدرسة فنية جديدة، بل إن معرفته وخبرته في الرسم والنحت وتأثره بفنون سكان أميركا الأصليين “الهنود الحمر” خاصة في بداياته كما في محطاته الفنية المختلفة، الأساس المتين للإبداع والابتكار المميز. ومن أبرز محطات بولوك الفنية، التي يحاول المعرض رصدها، تتلمذه على يد الرسام الأميركي توماس هارت بينتون في نيويورك، التي انتقل إليها من لوس آنجلس وهو في الـ 18 من عمره. ويرى النقاد أنه رغم انتقاد بولوك لأسلوب “أستاذه” إلا أنه استفاد من تقنياته وبراعته.

واشتهر بينتون بكونه واحداً من رواد حركة “الواقعية الاجتماعية الأميركية” الفنية، إلى جانب فنانين آخرين كغرانت وود، التي عرفت ذروتها في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي. انطلق بولوك في وسط الثلاثينيات حتى بداية الأربعينيات إلى دراسة كلاسيكيات الفن الأوروبي، بما في ذلك أعمال الرسام والنحات اليوناني المولد والإسباني النشأة والمعروف تحت اسم إل غريكو، الذي عاش في القرن السادس عشر في إسبانيا. ويشير النقاد في ما يتعلق بمراحل تطوره إلى تأثره بالعديد من الفنانين المكسيكيين، بمن فيهم خوسية كليمنتي أوروزكو، الذي اشتهر بجدارياته ونقوشه، التي رسم بعضها في مدن أميركية عديدة وعلى رأسها مدينة نيويورك حيث تعرف بولوك إليه هناك. أضف إلى ذلك تأثره الشديد ببابلو بيكاسو وخاصة بعد حضوره معرضاً له في نيويورك عام 1939.


يشير النقاد في ما يتعلق بمراحل تطوره إلى تأثره بالعديد من الفنانين المكسيكيين.

للتحليل النفسي نصيب

يرصد المعرض كذلك دخول بولوك إلى مصحة للعلاج النفسي، للتخلص من إدمانه على الكحول والاكتئابات الشديدة، وتعرفه في العلاج على نظريات السويسري كارل غوستاف يونغ، مؤسس علم النفس التحليلي. وتأثر بولوك بنظريات يونغ عن اللاوعي، كما كان شديد الاهتمام والمتابعة للحركة السوريالية الأوروبية وأفكارها عن “قوة اللاوعي التي شجعت بولوك على إعطاء تعبير تنامى في حيزه الفني وتعبيره عنه في أعماله” كما تقول معدة المعرض ستار فيغورا.

لكن بولوك وحتى بداية الأربعينيات من القرن الماضي كان ما زال غير قادر على أن يعتق نفسه من تأثيرات أساتذته عليه لينطلق بالصورة التي يتحرر فيها ليكون ما يريد. ويصف النقاد الفترة ما بين الأعوام 1944-1947، بأنها الفترة التي مكّنته من الانطلاق كي يجد صوته وخطّه الخاص به وينطلق بثقة، بعدما بدأ اهتمام الساحة الفنية والنقاد في نيويورك ينصب عليه. إضافة إلى حصوله على دعم مهني وشخصي من الفنانة لي كراسنر، حيث انتقلا للعيش سويًا خارج مدينة نيويورك وصخبها الفني، في عام 1945 بعد زواجهما في نفس العام، حيث كانا قد تعارفا عام 1942. وفي عام 1946 رسم بولوك أول لوحة له من دون استخدام الريشة بشكل مباشر، واستخدم فيها تقنيات التنقيط والسكب، ليؤسس بذلك مرحلة جديدة من الفن ويوجد خطه وبصمته الخاصة به.

لم يعش بولوك ليرى انتشار أعماله وبيع لوحاته بالملايين، حيث لقيت معارضه التي أقامها في نيويورك في الأعوام 1948 و1949 و1950 امتعاضًا وحيرة من زوّار المعارض، لكنه عرف نجاحًا على مستوى النقاد، ليصبح في الخمسينيات أيقونة للحركة الفنية الأميركية ما بعد الحرب العالمية الثانية. ويعزو بعض النقاد أن هذه الرمزية والنجاح على مستوى النقاد أدى إلى شبه “الشلل” الذي شهده في إنتاجه، حيث لم ينتج أكثر من عشر لوحات في السنوات الثلاث الأخيرة قبل وفاته في حادث سيارة، وكان في تلك الفترة يحاول تخطي مرحلة التنقيط والسكب من دون نجاح ملموس.