معبد مينيرفا في سبيطلة (Getty)

في تونس، في ولاية القصرين، ثمة مدينة باذخة الجمال، ثرية التاريخ. إنها سبيطلة ذات الموقع الأثري الباهر، الممتلئ بالآثار الرومانية، حيث للحجر قوة الحضور المشع وبلاغة المعنى.

للمدن الرومانية “خارطة طريقها” إن جاز التعبير: لا بدّ من حمامات فخمة وقنوات تسري في جسد المدينة، إذ إن إيصال الماء إلى كل زاوية والاحتفاء به، مذهب الرومان وبصمتهم الخاصّة. ولا بدّ من مسرح أيضًا، تارة للاستعراض وتزجية الوقت، ولو بمبارزات دموية.

وتارة أخرى للفخر بمعاقبة علانية وعلى الملأ. ولا بدّ أيضًا من معابد، فالآلهة الرومان كثر، وكل واحد منهم يضطلع بمهمة خاصّة، وله في كتب الميثولوجيا ألف حكاية وحكاية. ولا بدّ من قوس نصر، فأسياد العالم القديم، تنقلوا في جنبات البحر الأبيض المتوسط، ومن اليم الأزرق، نفذوا إلى الداخل، وأقاموا غير ما مدينة رومانية.

اقرأ أيضًا : أليسا وعينة، ولادة قرطاج

من مدن الداخل التونسي إذن، سبيطلة الجميلة، صاحبة المجد الكبير. يقال إنها صارت على يد الأمير البيزنطي، غريغوار، عاصمة ندًا للقسطنطينية.
غريغوار هو النطق الفرنسي لغريغوريوس، أمّا النطق العربي فـ “جرجير”.

في منتصف القرن السابع، فتح المسلمون سبيطلة، وانتصروا على أميرها؛ غريغوار / جرجير. وبعد حوالى خمسة قرون سيكتب أحد اشهر الجغرافيين العرب قاطبة، كتابًا فريدًا، بناءً على طلب ملك صقلية؛ روجر الثاني، أو رُجار وفقًا للنطق العربي. ونظرًا إلى تلك العلاقة الاستثنائية التي جمعت بين الإدريسي وملك صقلية، كُني الكتاب بـ كتاب رُجار. أمّا عنوانه الأصلي فـ “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق”.

في هذا الكتاب ثمة ذكر لسبيطلة : “وإذ قد انتهى بنا القول في ذكر بلاد إفريقية، فلنرجع الآن إلى ذكر بلاد نفزاوة فنقول إن مدينة سبيطلة كانت مدينة جرجير ملك الروم الأفارقة، وكانت من أحسن البلاد منظراً وأكبرها قطراً وأكثرها مياهاً وأعدلها هواء وأطيبها ثرى، وكانت بها بساتين وجنات وافتتحها المسلمون في صدر الإسلام، وقتلوا بها ملكها العظيم المسمى جرجيس، ومنها إلى مدينة قفصة مرحلة، ومنها أيضاً إلى القيروان سبعون ميلاً”.

لذاك الفتح الإسلامي لسبيطلة اسم جميل : العبادلة السبعة، إذ وفقًا للكتب التاريخية فإن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن العباس وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص، هم الذين اختارهم الخليفة الراشدي عثمان بن عفان من أجل الحملة.