* لنبدأ بالحادثة الأخيرة، حيث منعت من الدخول إلى مصر، واحتجزت في المطار لمدة 16 ساعة. كيف تفسرين اعتبارك “خطرًا على الأمن القومي المصري” كما قيل لك؟ علمًا أنك كنت مدعوة رسميًا من مكتبة الإسكندرية والأزهر، كما أنك باحثة علمية معروفة، إضافة إلى كونك ناشطة حقوقية معروفة بدعمك لقضايا المرأة والأقليات؟

الجهات الأمنية المصرية والرسمية هي التي من المفروض أن تُطالب بتقديم التوضيح الدقيق حول أسباب منعي من دخول مصر، بالرغم من حصولي على تأشيرة وعرض الحجج اللازمة التي على أثرها تم حجزي، ثمّ ترحيلي. لكن وإلى هذا اليوم، لاذت هذه الجهات بالصمت، الأمر الذي فتح الباب أمام تأويلات وتحاليل مختلفة في الإعلام المصري، ولدى الرأي العام التونسي. وكلّ يعرض وجهة نظره من منظوره الخاص ووفقًا لمصالحه التي ذهبت إلى حدّ التوظيف السياسي والديني والشخصي.

* حين كنت في المطار، قمت بتدوين ملاحظات عل صفحتك في الفيسبوك، من وحي الساعات الطويلة التي أمضيتها في المطار، حيث ثمة نماذج بشرية مختلفة. ما الذي بقي من تلك اللحظات؟

يبقى هاجس المثقف المعاينة والتدقيق في بعض المسائل والإجراءات، بحكم وعيه الحقوقي وحرصه على فهم ما يجري من حوله، ولذلك كنت أوجّه الأسئلة وأطالب بعدم معاملتي بطريقة تتنافى مع احترام كرامتي. فضلًا عن اهتمامي بملاحظة أشكال التعامل مع المحتجزين والعلاقة بين الأمنيين أو رجال الأمن. وبالإضافة إلى ذلك، سعيت إلى ربط مجموعة من العلاقات الإنسانية مع الموجودين داخل مكتب الحجز، وهو ما مكنني من معرفة أسباب الحجز والمقارنة بين مختلف الوضعيات. ويبقى الكتاب خير أنيس فقد أتممت قراءة رواية حنان الشيخ “حياتي شرح يطول”.

* لو انتقلنا إلى أبحاثك ونشاطاتك العلمية؛ فأنت تتصدين لقضايا شائكة في الفكر العربي الإسلامي، منها قضايا تتعلق بـ الجندرة وهي قضايا غير مطروقة عامّة، فضلًا عن أن الصمت على ما يبدو يحسم طرحها. ألا ترين أن هذا النوع من المباحث الدقيقة، يسهّل الانحراف بتأويلها في الفضاء العام، من خلال عدم الفهم أو التسويق الإعلامي التبسيطي أحيانًا؟

لا تتعلق أبحاثي بقضايا الجندر فحسب، بل هي لها أيضًا وشائج مع فكر الاختلاف في جميع تجلياته، منها ما هو على أساس الجنس، أو الدين أو العرق. فضلًا عن الدراسات الإسلامية ودراسات الأقليات، والأنثربولوجيا الدينية والدراسات الثقافية ودراسات الميديا، ومؤخرًا دراسات الإرهاب. وهذه القضايا لا يمكن أن يُحسم فيها بسرعة، لأنّها قضايا “ساخنة” ومعيشة وشائكة وملتبسة بمجالات أخرى كالعلوم السياسية والدين والتعليم والثقافة، كما أنّها ذات صلة بالبنى الذهنية والنفسية ومستويات الإدراك وطرق التقبّل وأشكال توزيع السلطة. فما نراه من تعليقات سلبية على صفحات التواصل الاجتماعي على سبيل المثال، يثبت بما لا يدع مجالًا للشك، هيمنة الانفعال والتسرع في إصدار الأحكام، وشيوع الأميّة والاستخفاف بمنظومة القيم التي من المفروض أن تحكم العلاقات بين الباثّ والمتقبّل. لا يمكن أن نتغاضى عن ارتفاع منسوب العنف، فأغلب الذين يصادرون حرية التفكير والتعبير لم يقرأوا أعمالك، وإنّما يشعرون بأنّ مواقع التواصل وفرت لهم فرصة “الاستمتاع” بممارسة السب والتشويه والشتم، أي التنفيس عن الضغط والكبت وغيرها من الحالات النفسية. وكأنّه لا مكان للارتقاء في فضاء التواصل الاجتماعي، ليصير فضاء الحوار الرصين وتبادل وجهات النظر والنقاش البنّاء. ليست هذه الممارسات إلا علامة دالة على أن الحداثة الفكرية لم تتحقق بعد. ولا يمكن التغاضي عن مسؤولية الإعلام. فماذا ننتظر من مشهد إعلامي لم يعر انتباهًا للثقافة وفضّل في المقابل الترويج لبرامج تكرس الرداءة في كلّ تجلياتها وتعبث بمنظومة القيم؟

* ترتبط هذه القضايا بالموقف الاجتماعي أو التأويل الاجتماعي للدين وللأعراف حول وضعية المرأة في المجتمعات العربية التي هي في الغالب وضعية هشّة، رغم تطور التشريعات في بعض الدول العربية مثل تونس. ألا ترين أنك من جيل تحول من الدفاع عن حقوق المرأة إلى الهجوم على التصورات السائدة لدور المرأة؟

الناشطة الحقوقية تنخرط في قضايا الدفاع عن الحقوق المسلوبة وهدر كرامة الإنسان مهما كان انتماؤه الديني أو العرقي أو الجنسي، ومن ثمّ فأنا أتفاعل مع قضايا الأقليات وقضايا الاعتداء على بعض الشخصيات وانتهاك حقوقها. فأنا مثلًا عضوة في “منظمة الدفاع عن رائف بدوي”، ولي مواقف في ما يتعلق بقضية مريم السودانية التي خاضت نضالًا بخصوص تكريس حرية المعتقد ومع غيرها من الحالات التي تتعرض للاعتداء. والمسألة، في نظري، لا تُطرح طرحًا ثنائيًا متضادًا: الدفاع والهجوم. إنّما هي مسألة تتعلق باتخاذ موقف من العنف المسلط على بعض الفئات ومن بينها النساء. وهذا الموقف ينبني على عملية تفكيك للنصوص التراثية وإبراز مظاهر التناقض داخلها، وفضح تهافت الحجج وإبراز طرق التأثير في الجماهير ممن يملكون ثقافة محدودة، إلى غير ذلك. ومعنى هذا أنّ المثقف لا يتهجم وإنّما يعري ويكشف ويبين بالحجة مواطن التناقض وآليات التسلط. وهو مطالب بإرباك اليقينيات والمسلمات والدعوة إلى التفكير والتأمّل والتبصر وحثّ الأفراد على التحوّل من وضع القُصر والعوّالين على الداعية أو الإمام، إلى وضع يتحمّلون فيه المسؤولية: طلب العلم والبحث عن المعلومة وإعمال العقل في شتى المواضيع.

* أثارت تحاليلك حول المثلية، ردود فعل متباينة، وصل بعضها حدّ العنف الإعلامي، ثم تطور إلى الاعتداء بالعنف المادي عليك. والغريب أنه اعتداءٌ صادر عن امرأة. ألا ترين أن مثل هذه الأطروحات، في هذا الظرف المتميز بالصراع المتعدد الأوجه بين الحداثيين والسلفيين، لم تزل متنقلة في ساحات الفكر لدى النخب حصرًا؟

أيمكن للمثقف أن يوقف عملية التدبّر في الخطابات المختلفة والتمحيص في الوثائق وتحليل الظواهر والاستقصاء والتأمل؟. هل يمكنه أن يحدد الأولويات؟ هل يمكنه أن يمارس الرقابة الذاتية؟ هل يمكنه أن يؤجّل النقاشات وأن لا يعبّر عن مواقفه؟.
المثقف في اعتقادي حرّ في التعبير عن آرائه بكل جرأة وشجاعة علمية، ولا يجب أن يمارس الرياء الفكري وازدواجية الخطاب، بمعنى ليس بمقدوره أن يتبنى خطابًا يصوغه “للنخب” وآخر يوجهه “للعوام”. إننا في عصر العولمة والمرء قادر على الاطلاع على مختلف الطروحات المعروضة على الإنترنت والفضائيات ومختلف وسائل الإعلام، والمقارنة بينها، ومن ثمّ المساهمة في نقل المعلومة وتعميمها فيتحول بدوره إلى وسيط. وهو ما حدث معي، إذ انطلق عدد من التونسيين في البحث عن المراجع والتنقيب في الروايات الواردة في كتب الصِحاح، وفنّدوا بذلك مزاعم الدعيّ الذي اتهمني “بالقذف والشتم”. وراح البعض الآخر يبحث في أطروحتي عما اعتبره هذا الدعيّ “عارًا وشناراً”، فاكتشفوا أنّه ينسب لي أبياتًا شعرية استشهدتُ بها، وهي للإمام السيوطي. وهكذا ثبت لنا أنّ من الناس فئة يدفعها الفضول إلى البحث وتعرية التزييف والتلاعب والافتراء، وفي ذات الوقت تهتم بالاطلاع على العمل ككل. وانطلاقًا من ردود الفعل المختلفة، أعتبر أن ما حدث دفع باتجاه ديناميكية من شأنها أن ترفع الوصاية عن الجمهور المتقبل، وتحثه على البحث والتنقيب. أما الانخراط في حملات التشويه فهو أمر مفهوم، فمن يستسهل الشتم لا يقدر، في الواقع، على الإبحار في عالم المعرفة، وتعوزه الأدوات والوسائل ومن ثم، فإنّه يحترف هتك الأعراض.


إننا في عصر العولمة والمرء قادر على الاطلاع على مختلف الطروحات المعروضة على الإنترنت والفضائيات ومختلف وسائل الإعلام، والمقارنة بينها، ومن ثمّ المساهمة في نقل المعلومة وتعميمها فيتحول بدوره إلى وسيط

* تتميز بحوثك بالجرأة الفكرية، فقبل سنوات من إقرار حرية الضمير في دستور تونس ما بعد الثورة، طرحتِ قضية حرية المعتقد في الإسلام من خلال مؤلفيك الذي يحمل أحدهما العنوان نفسه، والثاني قضية الردة في الإسلام، وهذه القضايا يتداخل فيها السياسي بالديني، وتعتبر من المحظورات في غالب الدول العربية حتى تلك التي توجد فيها أقليات غير مسلمة. فأي دور لمثل هذه البحوث في هذه اللحظة التاريخية؟

بحوثي وبحوث غيري من الدارسين، حول حرية المعتقد تندرج في إطار مراجعة الموروث والنظر في العلاقة بين الدين والقانون، وبين النصوص الدينية والمنظومة الحقوقية الكونية والبحث في منزلة الفرد في المجتمعات الحديثة؛ هل هو غاية أم أنّه لا يزال وسيلة وأداة؟ ولئن اعتبرت حرية المعتقد مبحثًا قديمًا، إلا أن الطرح تجدد مع كتابة الدستور وانتهى بإدراج النص الخاص بمادة حرية الضمير. ولكن الإشكال اليوم يطرح في أكثر من مستوى؛ هناك من يتجاهل ما ورد في الدستور ويعتبر أنّ تصوراته هي التي يجب أن تهيمن، ومن ثم لا يتوانى عن الاعتداء على حقوق غيره، ويستمر في ممارسة العنف اللفظي أو المادي بدعوى الدفاع عن الإسلام. والحال أنّه يدافع عن تصوراته الشخصية. وثمة من يختزل حرية المعتقد في حق المسلمين في ممارسة الشعائر، ويصادر حقوق الآخرين كالبهائيين واللادينيين وغيرهم. هذا بالإضافة إلى وجود فئات تتعمّد التعبئة وتجييش الشارع لغايات سياسية صرفة. ومن هنا نتبين أنّ الثقافة القانونية لا زالت في بداية تشكّلها. فنحن مع دستور متقدّم مقارنة بدساتير أخرى، ولكن فهم الناس له واستيعابهم لمضامينه يبقى محدودًا.

* ألا ترين أن الهوة ساحقة بين ما يُطرح فكريًا وأكاديميًا وبين الفاعلين في الشارع العربي. وألا يعزز هذا السعي، إلى انعزال أو عزل النخبة عن حراك الشارع العربي ونبضه؟

ما حدث لي، دعم الانتقادات التي أبديناها بشأن تدهور مستوى التعليم في بلادنا وانحسار مسار المعرفة. فنحن إزاء أجيال عاشت، في الغالب، على وتيرة التلقين والحفظ، ولم تُشجع على التفكير المعمق والحوار والتمحيص والاحتجاج وغيرها من العمليات الذهنية، ولم تتوفر لها الإمكانيات والفرص حتى تنمي زادها المعرفي. ولا يخفى أن وضع الفلسفة والإنسانيات عمومًا شهد في العقود الأخيرة انتكاسة كبرى. يضاف إلى ذلك ما نعرفه من محاولات “مأسسة الجهل” من خلال البرامج التي تُبثّ في بعض وسائل الإعلام وتفشّي التعصب، فضلًا عن وجود قطيعة بين التونسي والكتاب. فلا غرابة والحال هذه، أن تضيق مساحات التفكير وتطفو على السطح ممارسات التكفير. وبالرغم من كل ذلك، لا زلت أؤمن بضرورة فكّ عزلة المثقف وأهمية تفاعله مع الجمهور واضطلاعه بمهامه وتواصله مع مختلف الفئات وفي جميع الجهات، إذ إن التحولات الأخيرة وفرت فرصة للمثقفين حتى ينخرطوا في القضايا الكبرى مثل أشكال التهميش، الحريات، الخواء المعرفي على سبيل المثال.

* تمثلين مع ألفة يوسف ورجاء بن سلامة ونائلة السليني وأخريات، جيلًا جديدًا من الباحثات والمفكرات اللواتي يحفرن في الثقافة العربية الإسلامية، ويُعدن المتفق فيه إلى دائرة السؤال. هل يمثّل هذا، جيلًا قد يؤدي إلى ظهور مدرسة فكرية أم مساهمات مختلفة يجمعها قسم الحضارة؟

المدرسة التونسية معترف بها بالفعل في عدد من البلدان التي تواكب أعمال الباحثين التونسيين كمحمد الحداد ومحمد حمزة وناجية العجيلي والوريمي، وغيرهم من الذين يؤمنون بضرورة تغيير المنظورات وتطوير مناهج البحث وإثراء مجال الدراسات الإسلامية. ولعل أهمية هذه المدرسة تكمن في تنوع الاتجاهات داخلها، وتعدد المقاربات المعتمدة كالفيلولوجيا (فقه اللغة) وتحليل الخطاب والتحليل النفسي والتفكيكية والسيميائيات (علم الدلالات) وغيرها. وانطلاقًا من هذا التنوع والجرأة على كسر الأقفال المغلقة وتناول “المسكوت عنه”، فقد لفتت أعمال هذا الفريق من البحاثة، الانتباه في عدد من البلدان لتميزها بجدّة الطرح، وقدرتها على إثراء المكتبة العربية.

* بعد سنوات مما اصطلح عليه بـ “الربيع العربي” يبدو الوضع العربي محبطًا وتبدو النخبة مرتبكة ومغيبة. كيف تنظرين إلى المتغيرات والمستقبل؟

لم تكن التحولات السياسية والاجتماعية مصحوبة بتحولات ثقافية، ولذا فنحن نواجه تحديات كبرى تستدعي إصلاح المنظومات التربوية والتعليمية في جميع المستويات، ووضع برنامج ثقافي شامل حتى نعالج القصور وننهض بمستوى الإدراك، ونفك الحصار المضروب على المثقفين. أمّا في ما يتعلق بالإرباك الذي تعاني منه النخب فهو أمر مفهوم، إذ أدين المثقف بعد الثورة، باعتبار أنّه لم يكن على قدر المسؤولية ولم ينهض بدور الزعامة. وكان الرد متفاوتًا من فئة إلى أخرى؛ هناك من آثروا التحصن في البرج العاجي، وهناك من صمموا على خوض غمار معركة البناء والتأسيس، وهي ليست معركة سهلة تتطلب جهدًا كبيرًا وطول نَفَس وقدرة على تجاوز الصعوبات. وبالرغم من كل هذه التحديات والصعوبات، فإنني متفائلة لأن الديناميكية الحاصلة أفضل من الركون والتسليم بالأمر الواقع والقمع وكم الأفواه.

* أي دورٍ للمثقف والثقافة في ظل “تسليع” المنتوج الفكري والإبداعي، وسيطرة وسائل الإعلام على الذوق العام؟

في ظلّ تغييب البرامج الثقافية الهادفة وهيمنة البرامج “الاستعراض” والمنوعات ذات الطابع الفضائحي، لم يعد بإمكان المثقف فتح مساحات للتفاعل الفكري مع الجماهير التي لم تعد، في الغالب، تقرأ أو تهتم بالإنتاج الجديد. ولذلك اتجه عدد من المثقفين إلى مواقع التواصل الاجتماعي لينشّطوا منابر الحوار أو ليعبّروا عن آرائهم، في حين واصل البعض الآخر نشاطه في عدد من الفضاءات المتاحة والعمل مع مختلف مكونات المجتمع المدني، علّه بذلك يساهم في زحزحة المواقف وعرض بعض الأفكار.

* كيف تنظرين إلى مستقبل تونس والوطن العربي؟

هي سنوات تبدو في الظاهر عجافًا، ولكننا نعيش في اعتقادي، ديناميكية تدفع باتجاه فتح ملفات المسكوت عنه والمحظور. سيحصل صدام بين هذه الأصوات التي تتحمّل مشقة “التنوير”، والقوى التي تدافع على ضرب الوصاية واحتكار النطق نيابة عن الله والهيمنة على الجماهير. ولكن المهم في كل ذلك، أن نخرج من حالة الركود واللا مبالاة والتجهيل و”الاستحمار”. ونرتقي بمستوى النقاش والحوار، علّنا بذلك نساهم في بناء المستقبل، هذا فكريًا. ولكن الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية لا يمكن معالجتها بيسر، لأنّها ذات وشائج بتركيبة الطبقة السياسية في البلدان العربية التي تشكو “هنات” على مختلف المستويات، وهي أيضًا ملتبسة بأشكال التدخل الأجنبي ولعبة البحث عن التوازنات بين مختلف القوى الراغبة في حماية مصالحها.