"سيشعر المشاهد بأنّ هناك علاقة حميمة بين الإنسان والحيوان، وسيحس بالتالي بالعرق والحرارة وهما يخرجان من هذا الدب الذي هاجمني، باختصار هو مشهدٌ يجتمع فيه الخيال مع الحقيقة، استطاع المخرج أن يحقق من خلاله إنجازاً باهراً على الصعيد السينمائي والإخراجي"
- ليوناردو دي كابريو

هذا ما عبر به الممثل الهوليوودي "ليوناردو دي كابريو" في إحدي الحوارات التي أُجريت معه مُعلِقاً علي أحداث فيلم "العائد.. The Revenant" وبالأخص المشهد الذي وقع فيه ضحية الهجوم علي يد دُب مفترس، والذي استغرق تصويره وإتقانه عدة أشهر من التدريب والتصوير والتمرينات.

يركز الفيلم بشكل أساسي على الصورة والطقس الصعب والتضاريس المضنية بالصحراء الأميركية خلال فصل الشتاء، لذلك أظن أن المخرج المكسيكي " أليخاندرو إيناريت " نجح في إدخالنا في تلك العذابات التي تعرضت لها الفرقة الناجية من هجوم الهنود الحمر وهي في طريقها إلى المعسكرات.

الفيلم يصور لنا ببراعة شديدة كيف تتخلَّق أمة على أنقاض أمة أخرى، وكيف كان هذا صعباً ووحشياً وعنيفاً وممتلئاً بالكثير من الدماء والعرق والدموع والكَر والفَر حتى تحقق الثأر في النهاية بعد أن ركض دي كابريو مئات الكيلومترات كي يتمكن من قاتل ابنه، إن تلك الروح التي دبت فيه بعد أن رأى الموت هي روح حقّه ودمه وليست روح جندية، فوعيك بحقك مسؤولية ودفاعك عن حقك واجب وأخذك لحقك بطولة.


جاء العمل الفني خالياً من أية حوارات عميقة أو نقاش جاد، لكنه عوض هذا النقص بالتصوير المبدع والحافل لمعركة الحياة والموت.. معركة المقاومة والاحتلال وما بينهما من قلوب تُطحَن وجبال تُصعد ودماء تُراق ودموع تُذرَف وعلاقة حب تولد من رَحِم الصراع بين العدو وعدوه.. كل هذه الأمور العظيمة أبرزها الفيلم دون تعقيد أو تنظير وبتركيز كبير على دقة المشهد تاركاً إياه يحكي بنفسه عن نفسه.

الأحداث تجعلك تقف بشكل ما ليس مع المنتصر الفاشي الأميركي الذي يملك السلاح والقوة، بل ستجد نفسك عالقاً بين الفريقين، منتصباً أمام المشهد بأكمله، ما بين ذكاء الهندي الأحمر وسرعة تأقلمه واندماجه مع الطبيعة لمعرفته بأسرارها، الأمر الذي جعله يبدو كما الشجرة التي لا تؤثر فيها الريح، وما بين الأميركي بشدة بأسه وجَلَدِه وبرودة قلبه الخالي من العاطفة، المتفاني في خدمة المال والتطهير من أجل تحقيق الحلم الأميريكي، فالحرب لا يكسبها دوماً الشجعان، أحياناً يكسبها من يملك السلاح ولا يملك القلب.

الفيلم مُلهِم ومبدع وينبض حيوية. بالنسبة لي كان أداء فيتزجرالد "توم هاردي" الذي ظهر في دور "الخائن" أكثر إقناعاً وثباتاً وتمكناً من أداء غلاس "دي كابريو" الذي أصبح يُبالغ كثيراً في انفعالاته، يبالغ إلى الحد الذي يصبح فيه واضحاً أنه يُمَثِّل، تجلَّت مبالغته في حركات عينيه حين كان مسجيا على الأرض، بدا وكأنه يراقب الكاميرا ويدرس إيماءاته ودموعه، أعتقد أن دي كابريو يكون أكثر تلقائية في أدائه حين لا يكون بطلاً.

إذاً، نجح الفيلم والمخرج والمستعمر الأميركي والتقنية وتضمين الصورة ولغة المشهد والسرعة والذكاء وبرودة الطقس وشراسة المقاومة.. الأمر الذي جعل الفيلم يتربع على عرش التتويج، فقد حصد الفيلم ثلاث جوائز في الدورة الثالثة والسبعين للمسابقة السنوية "غولدن غلوب" الجائزة الأولى كانت للعمل الفني كأفضل فيلم درامي، والثانية من نصيب البطل "دي كابريو" كأفضل ممثل في فيلم درامي، أما الثالثة فذهبت للمخرج المبدع "أليخاندرو إيناريتو".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.