أثار مسلسل «تشيرنوبل» الذي أنتجته شركة «إتش بي أو» ضجةً بين المشاهدين، وكان أكثر ما أدهشهم بخصوصه هو تحريه للدقة في ما يتعلق بوقائع الحادث الأصلي الذي جرى عام 1986. بيد أنَّ الكاتب مايكل شيلينبرجر يستعرض باستفاضة في مقاله بمجلة «فوربس» الحقائق العلمية والتاريخية التي أخطأ المسلسل بخصوصها، ويستعرض أيضًا سببًا أكثر عمقًا لإخفاق جميع الأفلام والكتب في فهم طبيعة الطاقة النووية.

المسلسل يثير ذعر مشاهديه

يشير شيلينبرجر إلى أنَّه منذ انطلاق المسلسل القصير عن الكارثة النووية في «تشيرنوبل» التي جرت عام 1986، امتدح الصحافيون للمسلسل لعرضه الوقائع الصحيحة التي تتعلق بالحدث، وإن كان مبدعوه قد غيروا بعض التفاصيل حسبما أوضح.

وفي هذا الصدد، كتب أحد المراسلين في صحيفة «نيويورك تايمز» قائلًا: «أول شيء يجب عليك أن تفهمه بخصوص مسلسل «إتش بي أو» القصير أن كثيرًا من أحداثه مُختلقة، لكن إليك الشيء الثاني الأكثر أهمية؛ أنَّ هذا لا يُهم حقًا».

وأشار المراسل إلى خطأٍ كان كاتب المقال قد كتب عنه الشهر الماضي، يتعلق بـ«ضحايا الإشعاع الذين تُغطيهم الدماء لسببٍ ما». لكنَّه أضاف أنَّ الشركة كانت «مصيبةً في ما يتعلق بحقيقة أساسية»، وهي أنَّ تشيرنوبل «كانت تتعلق بالخداع والنظام السياسي المُتعفن، أكثر مما تتعلق بما إذا كانت الطاقة النووية بحد ذاتها جيدة أم سيئة».

ويوضح الكاتب أنَّ هذه هي الملاحظة التي شدد عليها كرايج مايزن، مبدع مسلسل «تشيرنوبل». فقد ذكر في إحدى تغريداته أنَّ «الدرس المُستفاد من تشيرنوبل ليس أنَّ الطاقة النووية الحديثة خطيرة، بل أنَّ ممارسات الكذب والغطرسة وقمع الانتقادات تشكل خطورةً».
ويوافقه الرأي ممثلو الصناعة النووية، حسبما أوضح الكاتب. فقط كتب معهد الطاقة النووية أنَّ «المشاهدين قد يرون المعالجة الهوليودية، ويتساءلون عن علاقة ذلك الأمر بالدول خارج الاتحاد السوفيتي»، ويضيف المعهد أنَّ الإجابة المُختصرة على هذا السؤال هي أنَّ الأمر لا يهم كثيرًا خارجه.

لكن على المستوى الشخصي، لا يتفق شيلينبرجر مع تلك الفكرة. فبعد أن شاهد الحلقات الخمس من «تشيرنوبل»، ورأى ردة فعل الجمهور عليه، يعتقد أنَّه قد صار جليًا أنَّ المسلسل القصير قد خوَّف ملايين الناس من تلك التكنولوجيا.
واستشهد في ذلك بما كتبته مُراسلةٌ بمجلة «فانيتي فير»: «بعد انتهائي من المسلسل بأسبوعين، لم أتمكن من التوقف عن التفكير فيه». وأضافت «أكثر ما علق بذهني هو أجساد المستجيبين الأوائل للتسمم الإشعاعي، الذين دمرهم التعرض للإشعاع، للدرجة التي جعلتهم يتعفنون ببطء وبطريقة فظيعة، بينما يتشبثون بالحياة».

أضافت المراسلة أنَّها «شاهدت حلقات المسلسل مع زوجها قبل عرضه للجمهور، وقضيا بعدها أيامًا في البحث في جوجل عن الكارثة، وفي إرسال الحقائق المفزعة لبعضهما. في حين بحث والدها عن كل محطات الطاقة النووية النشطة في الولايات المتحدة الأمريكية».

وغرَّدت أيضًا سارة تود، الكاتبة بصحيفة «فيلادلفيا إنكوايرر»: «شاهدتُ الحلقة الأولى من مسلسل تشيرنوبل، لأقضي بعدها بضعة ساعات في القراءة عن الطاقة النووية، والآن أنا في حالة ذعر كبيرة، وأحتاج إلى أن يفسر لي أحدهم كيف من العادي أن نعيش في الساحل الشرقي، في حين أنَّنا في وضعٍ كهذا».
ويوضح الكاتب أنَّ الكثيرين ظنوا أنَّ المسلسل القصير كان يتحدث بالفعل عن الطاقة النووية، إذ كتب أحد النقاد في صحيفة «ذا نيو ريبابليك»: «بيد أنَّ الطاقة النووية نفسها هي أكثر الشخصيات تطورًا في المسلسل. فالحديث بشأنها مستمر، وتُناقَش طبيعتها وتوصف إلى مالا نهاية، فتصبح بمثابة شيطان».

ولم يُثر المسلسل ردود فعل الصحافيين وحدهم، حسبما أوضح شيلينبرجر، فقد غرد أحد المشاهدين قائلًا: «بعد انتهائي من تشيرنوبل، بحثتُ في جوجل لأجد أقرب محطة للطاقة النووية»، وغرد آخر: «مخيف. شاهدتُ كثيرًا من الرعب والدماء، لكن هذا يتجاوز الحدود المعقولة. والسبب؟ أنَّه قد يحدث مجددًا يومًا ما».

وغردت إحدى الفنانات إليّ الكاتب قائلةً: «انتبه إلى ما يحدث في بيلاروسيا، فنحن نخشى محطتنا النووية الجديدة لأنَّ الروس هم من شيدوها. لقد أسقطوا المفاعل الأول من ارتفاعٍ بلغ 4 أمتار، ودُمرت حاوية المفاعل الثاني أثناء النقل، إلا أنَّهم ركبوها على أي حال. لذا، حين تشاهد مسلسل تشيرنوبل، ضع في اعتبارك أنَّ ذلك قد يحدث في القريب العاجل».

مبالغات تشيرنوبل

بحسب المقال، في مقابلاتٍ تزامنت مع إطلاق مسلسل «تشيرنوبل»، أصر مايزن أنَّ المسلسل القصير سيلتزم بالحقائق، وأوضح قائلًا «سنعرض نسخةً أقل درامية لما حدث. فنحن لا نرغب في تجاوز الحقيقة وعرض مسلسلٍ مثير».

لكن يرى شيلينبرجر أنَّ المسلسل يتجاوز الحقيقة في الحلقة الأولى بالفعل، ويميل إلى عرض نسخةٍ مثيرة للأحداث، ويستمر في ذلك طوال المسلسل. ففي حلقة واحدة، تتطوع ثلاث شخصيات بشكلٍ مفاجيء للتضحية بأرواحهم لتصريف المياه المُشعة، بيد أنَّه لم تحدث واقعة من هذا القبيل.

ويُشير آدم هيجينبوتام، مؤلف كتاب «منتصف الليل في تشيرنوبل Midnight In Chernobyl»، وهو تأريخٌ جديد مدروس بعناية، إلى أنَّ «الرجال الثلاثة كانوا أفرادًا من طاقم المحطة، وتمثلت مسؤوليتهم في هذا الجزء من محطة توليد الطاقة، وتزامنت مناوبتهم مع الوقت الذي بدأت فيه العملية. وبكل بساطة، تلقوا أوامر عبر الهاتف من مدير ورشة المفاعل لفتح الصمامات».  

ونفى آدم أن يكون الإشعاع الصادر من المفاعل المنصهر قد اضطلع بدورٍ في تحطم مروحية كما يعرض مسلسل «تشيرنوبل». فقد كان هناك تحطمٌ لمروحية بالفعل، بيد أنَّ ذلك حدث بعد مرور ستة أشهر على الحادث، ولم تكن للإشعاع أي صلة به. فقد اصطدمت إحدى شفرات المروحية بسلسلة تتدلى من رافعة بناء.

وأضاف الكاتب أنَّ أفظع ما يتعلق بالنزعة المثيرة لمسلسل «تشرنوبل» هو تصوير الإشعاع على أنَّه مُعدٍ كالفيروس. فالعالمة البطلة التي لعبت دورها إيميلي واطسون تسحب في مشهد الزوجة الحامل لأحد رجال الإطفاء في تشيرنوبل، الذي يحتضر جراء متلازمة الإشعاع الحادة (ARS).

تصرخ إيميلي «اخرجي من هنا، اخرجي من هنا»، وكأنَّ كل ثانية تقضيها المرأة مع زوجها تُسمم بها طفلها.
ويؤكد الكاتب زيف هذا الإدعاء، لأنَّ الإشعاع ليس مُعديًا، إذ يمكن احتواء هذا النشاط الإشعاعي، بمجرد أن يخلع الشخص ملابسه، كما فعل رجاء الإطفاء في الحقيقة وفي مسلسل «تشيرنوبل». إلا أنَّه ليس من المستبعد أن ينتج قدرٌ من التعرض الضار من دماء أو بول أو عرق أحد ضحايا متلازمة الإشعاع الحادة، لكن لا يوجد دليل علمي على أنَّ شيئًا من هذا القبيل حدث أثناء معالجة ضحايا تشيرنوبل.

ويوضح شيلينبرجر أنَّ سبب عزل المستشفيات لضحايا الإشعاع خلف ستائر بلاستيكية يعود إلى أنَّ أجهزتهم المناعية ضعفت، ما يُعرضهم لخطر التعرض إلى شيءٍ لا يمكنهم تحمله. بعبارةٍ أخرى، فإنَّ خطر التلوث كان نقيض ما صوَّره مسلسل «تشيرنوبل».

لكنَّ الطفل يموت في المسلسل، وتقول إيميلي: «كان الإشعاع ليقتل الأم، لكنَّ الطفل امتصه عوضًا عن ذلك». ومن الواضح، في رأي شيلينبرجر، أنَّ كلًا من مايزن و«إتش بي أو» يُصدقان أنَّ حدثًا كهذا وقع بالفعل.

وبينما تحاول «إتش بي أو» تخفيف حدة هذه الأحداث المثيرة بشروحٍ توضيحية في نهاية المسلسل، لم يُشر أيٌ منها إلى أنَّ إدعاء أنَّ طفلًا مات «بامتصاصه» الإشعاع من والده هو هراء تام.

وبحسب المقال، فلا يوجد دليل قاطع على أنَّ الإشعاع في تشيرنوبل قتل طفلًا، ولا أنَّه تسبب في زيادة العيوب الخلقية. ففي عام 1987، أفاد روبرت جايل، أحد الأطباء بجامعة لوس أنجلوس، أنَّ «الفرصة قد تسنت لنا الآن لملاحظة كل الأطفال الذين وُلِدوا قرب تشيرنوبل، ولا أحد منهم، على الأقل عند الولادة، أُصيبَ بتشوهاتٍ يمكن كشفها».
وبالفعل، فالتأثير الصحي العام الوحيد فيما عدا موت المستجيبين الأوائل كان عشرين ألف حالة موثقة من سرطان الغدة الدرقية، بين من كانت أعمارهم تقل عن 18 عامًا وقت الحادث. وفي عام 2017، أشارت الأمم المتحدة إلى أنَّ 25% فقط، أي حوالي 5 آلاف شخص، يُعزى موتهم إلى إشعاع تشيرنوبل. وفي دراساتٍ سابقة، كانت الأمم المتحدة قد قدَّرت أنَّ العدد يمكن أن يصل إلى 16 ألف شخص.

وبما أنَّ معدل الوفيات بسرطان الغدة الدرقية لا يتجاوز نسبة 1%، يشير شيلينبرجر إلى أنَّ ذلك يعني أنَّ الوفيات المحتملة جراء سرطان الغدة الدرقية التي تسبب فيها تشيرنوبل ستتراوح بين 50 إلى 160 حالة بين من تزيد أعمارهم عن 80 عامًا.

مزيدًا من المزاعم الكاذبة

بحسب شيلينبرجر، لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففي نهاية المسلسل، تزعم «إتش بي أو» أنَّه كان هناك «ارتفاعٌ حاد في معدلات الإصابة بالسرطان في جميع أنحاء أوكرانيا وبيلاروس». بيد أنَّ هذا أيضًا خطأ.

Embed from Getty Images

فالمقيمون بهاتين الدولتين «عُرِضوا إلى جرعاتٍ أعلى قليلًا من مستويات إشعاعات الخلفية الطبيعية»، وفقًا لما أقرته منظمة الصحة العالمية. وفي حالة كان هناك وفيات إضافية بمرض السرطان، فستبلغ نسبتها «حوالي 0.6% من إجمالي عدد الوفيات المحتملة بالسرطان في هذه الفئة من السكان نتيجة أسبابٍ أخرى».
ويؤكد الكاتب على أنَّ الإشعاع ليس ذلك السم الفائق الذي يصوره مسلسل «تشيرنوبل»، ففي الحلقة الأولى، تجعل جرعات عالية من الإشعاع العمال ينزفون، وفي الحلقة الثانية، ترى إحدى الممرضات يدها وهي تتحول إلى اللون الأحمر الزاهي وكأنَّها احترقت، لأنَّها بالكاد لمست أحد رجال الإطفاء، لكن في الواقع لم يحدث شيءٌ كهذا، ولا من الممكن حدوثه.
ويصور مسلسل «تشيرنوبل» أناسًا يجتمعون على أحد الجسور ويشاهدون حريق تشيرنوبل. وفي نهاية المسلسل، تدَّعي «إتش بي أو» أنَّه «قد أفادت التقارير أنَّه لم ينجُ منهم أحد. وأنَّ هذا الجسر صار يُعرف الآن بجسر الموت». بيد أنَّ «جسر الموت»، حسبما ذكر الكاتب، هو أسطورة محلية عاطفية، ولا توجد أدلة جيدة تدعمها.
وفي رأي شيلينبرجر، فإنَّ مسلسل «تشيرنوبل» مُضلل أيضًا بسبب ما يغفل ذكره ويستبعده من القصة. فهو يعطي انطباعًا بأنَّ كل المستجيبين الأوائل لتشيرنوبل ممن عانوا من متلازمة الإشعاع الحادة قد لقوا حتفهم. في حين أنَّه في الواقع نجا حوالي 80% من المصابين بهذه المتلازمة.

ويشير إلى أنَّه حتى المشاهدين المستنيرين وممن تلقوا تعليمًا جيدًا، ومن بينهم الصحافيون، خلطوا بين كثيرٍ من الخيال الذي ورد في مسلسل «تشرنوبل» وبين الواقع.
إذ كرَّرت مجلة «ذي نيويوركر» الادعاء القائل بأنَّ طفل المرأة «امتص الإشعاع» ومات. ووصفت جريدة «ذي نيو ريبابليك» الإشعاع بأنَّه «مستمر بصورةٍ خارقة» ومعدٍ كما يحدث في حالة الموتى الأحياء، أي أنَّ من سُمموا يصبحون سامِّين أنفسهم». أما مجلتا «ذي إيكونومست» و«بيبول» وغيرهما، فقد كررت الأسطورة المحلية المتعلقة بـ«جسر الموت».
ويرى الكاتب أنَّ هناك كلفة بشرية لهذه الادعاءات الكاذبة، فالمفهوم القائل بأنَّ الناس ممن تعرضوا إلى الإشعاع مُعديين استُخدِم في ترهيب الناس ووصم المصابين وعزلهم في هيروشيما وناجازاكي في اليابان، وتشيرنوبل، ثم في فوكوشيما.

والنساء في المناطق التي تلقت مستوياتٍ قليلة من الإشعاع من تشيرنوبل أنهوا في حالةٍ من الذعر ما يتراوح بين 100 ألف إلى 200 ألف حالة من حالات الحمل، أما هؤلاء ممن تعرضوا إلى إشعاع تشيرنوبل فكانوا أكثر عرضة على الأرجح للإبلاغ عن القلق والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة أكثر من غيرهم بأربع مرات.

لماذا أخطأ مسلسل «تشيرنوبل» للغاية في فهمه للطاقة النووية؟

يعود الكاتب إلى نقطة البداية، ويؤكد أنَّ جوهر مسلسل «تشرنوبل» كان من المفترض به أن يتمحور حول الأكاذيب والغرور وقمع الانتقادات في ظل الشيوعية، بيد أنَّ المسلسل القصير يُصور الحياة في الاتحاد السوفيتي في الثمانينات بالميلودرامية وانعدام الدقة ذاتهما اللتان يصور بهما آثار الإشعاع.

إذ يُشير أحد الكتاب بمجلة «ذي نيويوركر» إلى أنَّ «هناك كثيرًا من الناس طيلة المسلسل تبدو تصرفاتهم وكأنَّها تنبع من خوفهم من التعرض لإطلاق النار. وهذا غير صحيح؛ فعمليات الإعدام بدون محاكمة، أو حتى عمليات الإعدام المتأخرة التي كانت تُنفذ بأوامر موظفي أجهزة الحزب الشيوعي (الأباراتشيك)، لم تكن من سمات الحياة السوفيتية بعد عام 1930».

ويستعرض المقال نقطة الإثارة المركزية التي يقوم عليها المسلسل القصير، وهي الجهد المبذول من العلماء الأبطال لاكتشاف ما الذي لحق بمفاعل تشيرنوبل وتسبب في فشله، بيد أنَّ العلماء السوفييت «كانوا مدركين تمامًا لعيوب مفاعل «آر بي إم كيه» قبل وقوع الحادثة بسنوات»، حسبما ذكر هيجينبوتام، الذي أضاف: «جاء من موسكو متخصصو المفاعل، خلال 36 ساعة من الانفجار، وحددوا سريعًا سبب انفجاره».

بيد أنَّ الحاجة إلى الإثارة الدرامية وحدها تعجز عن تفسير سبب فهم مسلسل «تشيرنوبل» الخاطئ للطاقة النووية بهذا الشكل في رأي شيلينبرجر. وبالنظر إلى الكيفية التي وصف بها أحد العلماء الأبطال الإشعاع «كرصاصة»، فإنَّه يطلب منا أن نتخيل تشرنوبل كـ«ثلاثة تريليونات رصاصة في الهواء والمياه والطعام، لن تتوقف عن إطلاق النار لمدة 50 ألف عام».

Embed from Getty Images

بيد أنَّ الإشعاع، حسبما يوضح الكاتب، ليس كالرصاصة، فإنَّ كان كذلك كنا لنموت جميعًا، حيث أنَّنا في كل لحظة تُطلق علينا نيران هذه الرصاصات الإشعاعية، وبعض الناس ممن يتعرضون إلى أغلب هذه الرصاصات، كالمقيمين بكولورادوا في الولايات المتحدة مثلًا، يعيشون في الواقع لمدةٍ أطول.

وما يبدأ في الحلقة الأولى كرصاصة، يتطور خلال المسلسل القصير إلى سلاح. فحسبما يقول العالم البطل: «المفاعل رقم 4 في تشيرنوبل أصبح الآن قنبلةً نووية»، قنبلة تنفجر «ساعةً تلو الأخرى» و«لن تتوقف إلى أن تُردي القارة برمتها».

سيتنكر شيلينبرجر تلك الجملة الأخيرة بشدة، ويعتقد أنَّ الخوف الذي يحاول المسلسل استدعاؤه هو بوضوح الخوف من الحرب النووية، وعليه، يكون مسلسل «تشرنوبل» قد استخدم الخدعة ذاتها التي استخدمها كل فيلم آخر عن الكوارث النووية. ثم يستعرض المقال بعضًا من الأفلام التي تناولت الكوارث النووية، ويشير إلى فيلم «متلازمة الصين China Syndrome» الصادر عام 1979، الذي يُدعي فيه عالمٌ ادعاءً مشهورًا مفاده أنَّ حادثةً في محطة نووية «من شأنها أن تجعل منطقة بحجم ولاية بنسلفانيا غير قابلة للسكن بصفة دائمة».

استعارت هوليوود هذا الفهم الخاطئ عن انصهار وقود اليورانيوم ويكونه يشه قنبلة نووية متفجرة، والذي روج له من قبل قادة مناهضون للأسلحة النووية مثل رالف نادر، الذي ادعى عام 1974 أنَّ «حادثة نووية بإمكانها أن تقضي على مدينة كليفلاند، وأنَّ الأحياء حينئذٍ سيحسدون الأموات».

ويخلص شيلينبرجر إلى أنَّ مسلسل «تشرنوبل» يفهم الطاقة النووية بصورةٍ خاطئة للسبب ذاته الذي جعل البشرية بأسرها تفهمها بصورةٍ خاطئة لما يزيد عن 60 عامًا، وهو أنَّنا استبدلنا مخاوفنا من محطات الطاقة النووية بمخاوفنا من من الأسلحة النووية ذاتها.

ويرى أنَّه في الواقع، تبرهن حادثة تشيرنوبل على أنَّ الطاقة النووية هي أكثر الطرق أمانًا لتوليد الكهرباء، وفي أسوأ حوادث الطاقة النووية، تسربت كمياتٍ ضئيلة إلى حدٍ ما من الجسيمات المتولدة، لتؤذي عددًا قليلًا من الناس. لكن حين تسير الأمور على ما يُرام، تُقلل محطات الطاقة النووية من التعرض لتلوث الهواء، باستبدالها الوقود الأحفوري والكتل الحيوية. وبفضل هذا السبب أنقذت الطاقة النووية قرابة مليوني شخص إلى يومنا هذا.

وإن كان هناك جانبٌ مشرق لمسلسل «تشيرنوبل» والأفلام والكتب العلمية الرديئة ككتاب «Manual For Survival» لكايت براون، الأستاذة بجامعة ماساتشوستس، فقد تجلى في هيئة علماء الإشعاع الصريحين الجدد، وفي صحافيين صادقين مثل هيجينبوتام.

وكتب هيجينبوتام: «لا تطلق محطات الطاقة النووية ثاني أكسيد الكربون، وإحصائيًا، هي أكثر أمانًا من كل صناعات الطاقة المنافسة، بما فيها توربينات الرياح». أمَّا بالنسبة لمخاوفنا المبالغ فيها من الأسلحة النووية، يشير شيلينبرجر إلى أنَّ السنوات الأربعة وسبعين الأخيرة هي الأكثر سلامًا خلال آخر سبعة قرون. فبعد انتشار القنابل النووية، قلت الوفيات الناتجة عن الحروب والمعارك بنسبة 95%.

وفي هذا الصدد يتساءل الكاتب إذا كان بإمكان الوعي الإنساني أن يتطور، ليتفهم السبب الذي يجعل شيئًا بمثل هذه الخطورة يجعل العالم بمثل هذا الأمان. ويُرجع تفاؤله المتزايد إلى واحدٍ من أفضل الكتب التي قرأها مؤخرًا، وهو اثنوغرافيا لمجموعة من علماء الأسلحة النووية بعنوان «Nuclear Rites» لهيو جاسترسون، وهو ناشط مناهض للأسلحة النووية تحوَّل إلى عالم إنسانيات.

يعترف جاسترسون في النهاية أنَّ «الردع النووي اضطلع بدورٍ رئيسي في درء المذابح الجماعية التي كانت ستنتج عن حرب عالميةٍ ثالثة». وأضاف «إن كان عالمًا مليء بالأسلحة النووية مكانًا خطرًا، فكذلك سيكون العالم بطريقةٍ مختلفة بدون الضوابط الفظيعة التي تفرضها الأسلحة النووية».

وفي حال قررت هوليوود في أحد الأيام أن تحكي القصة الحقيقة للطاقة النووية، وتشرح للمشاهدين العلاقة المتناقضة بين الأمن والخطر، فلن تحتاج في رأي شيلينبرجر إلى اللجوء إلى الإثارة، إذ أنَّ الحقيقة مثيرة بما فيه الكفاية.

مترجم: أفضل 14 مسلسل لتشاهدهم بعد انتهاء الموسم الأخير من «صراع العروش»

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».