فن وترفيه

19:00 12 يناير, 2019

«أدباء لكن جواسيس».. هؤلاء برعوا في الكتابة عن الجاسوسية لأنهم امتهنوها

ليس من السهل أن تكون كاتبًا، وبالتأكيد ليس من السهل أن تكون جاسوسًا. ولكن ماذا عمن نجحوا في أن يجمعوا بين هاتين الحرفتين؟

على الرغم من أن الكتابة والجاسوسية تبدوان بعيدتي الشبه عن بعضهما البعض، إلا أن البعض يظن أن هناك تقاربًا كبيرًا بين كلتا الحرفتين؛ إذ إنهما يعتمدان على الالتفات لأدق التفاصيل، التي قد يراها غيرهما غير جديرة بالتسجيل، إلا أن الكاتب يجعل ذلك التسجيل وسيلة للتتابع الدرامي لما يكتبه، ويحلل كافة الأحداث التي يراها في الواقع، ثم يبحث عن الدافع الحقيقي والحقيقة الكامنة وراء ذلك كله، ليقدم لقرائه محاكاة للواقع المعيش، ووجهة نظره إزاء ذلك. أما الجاسوس، فهو عين ينقل لغيره كل شيء، ويترك (لهذا الغير) أن يحلل ويعيد تبويب ما جرى تسجيله، ليؤخذ في النهاية  إجراء يؤثر في الواقع ودنيا الناس.

إن الكاتب والجاسوس ـكلاهماـ لا بد أن يتسلح بدراسة ومعرفة البيئة المحيطة، التي يجري فيها العمل الأدبي، أو تلك التي يعمل بها الجاسوس، ولا بد أن يكون ملمًا بطباع البشر الذين يكتب عنهم أو يتعامل معهم في تلك البيئة؛ كل ذلك يؤدي بنا إلى القول بأن الجاسوس يستخدم وسائل الأديب أو أن الأديب يعمل -أحياناـ كما يعمل الجاسوس، فلا غرابة حينئذ أن نجد أن بعض الجواسيس قد صاروًا كتابًا أو العكس. ويستعرض هذا التقرير بعضًا من أشهر الكتاب الذين ربما لم تكن تعرف أنهم كانوا يعيشون حياة مزدوجة باعتبارهم أدباء وجواسيس في الوقت نفسه.

كريستوفر مارلو.. عين الملكة إليزابيث اليقظة ضد المؤامرات

في القرن السادس عشر، تحديدًا في النصف الثاني منه، كانت إنجلترا -على المستوى الدولي- في وضع حرج للغاية. إذ أنها كانت دولة بروتستانتية معزولة عن معظم بلدان أوروبا التي تتبنى المذهب الكاثوليكي، وتحكمها امرأة ليس لها ورثة أو أقارب مباشرون، الأمر الذي جعل منها مطمعًا للعديد من القوى الخارجية.

وقد كان للجواسيس الذين زرعتهم الملكة إليزابيث الأولى في بلاط الدول المعادية لها دور بارز في إحباط الكثير من المؤامرات التي كانت تُحاك ضدها وضد حكمها. والفضل في ذلك كله يرجع إلى سير فرانسيس ولسنهام، الذي كان مستشارًا للملكة ورئيسًا للوحدة المكلفة بتجنيد الجواسيس. لقد كان ولسنهام وجواسيسه هم سلاح الملكة إليزابيث الخفي الذي وجهته إلى ألد أعدائها وانتصرت بهم حين توقع لها الجميع هزيمة ساحقة.

سير فرانسيس ولسنهام – المصدر

كان ولسنهام يحصر اختياراته في الطلاب الفقراء من جامعتي أوكسفورد وكامبريدج لأنه وجد فيهم مبتغاه، إذ كانوا يتمتعون بالذكاء ولديهم طموح كبير، كذلك فإن فقرهم وعوزهم الشديد سوف يضمن ولاءهم الأبدي للملكة. آنذاك كان مارلو طالبًا بجامعة كامبردج، وكان هو خيار ولسنهام الأمثل نظرًا لذكائه الحاد وتفوقه الدراسي الملحوظ، وكذلك لكونه ابنًا لصانع أحذية فقير

وهكذا اختير كريستوفر مارلو باحثًا في بلاط الملكة إليزابيث الأولى، وتمكن من نيل درجة الماجستير في عام 1587 على الرغم من غيابه المتكرر وغير المبرر عن صفه الدراسي، ومن المرجح أن السبب في ذلك يرجع إلى سفره المتكرر إلى الدول المجاورة -وبخاصة فرنسا- بصفته عميلًا سريًا مخولًا بمراقبة الكاثوليك هناك بهدف كشف أية مؤامرة تحاك ضد الملكة.

وعلى الرغم من قلة الأدلة المباشرة على كون الأديب مارلو جاسوسًا يعمل لصالح الملكة إليزابيث الأولى، إلا أن تقاريره الجامعية وقتها تؤكد على إنفاقه ببذخ شديد بشكل يتعارض مع دخله الضئيل، وقد أُلقي القبض عليه في عام 1592 لتورطه المزعوم في توزيع العملات المزيفة في هولندا، وعندما أُرسل للمحاكمة جرى الإفراج عنه لأن القاضي لم يوجه له أي اتهام، الأمر الذي يشير إلى أن هذا الأمر ربما كان من ضمن مهام مارلو التجسسية.

الأديب الإنجليزي كريستوفر مارلو: المصدر

أما أبرز دليل على تجسس مارلو لصالح مخابرات الملكة إليزابيث؛ فكانت الفضيحة التي كادت أن تمنع تخرجه في الجامعة وتدمر مسيرته الأكاديمية إلى الأبد. فقد انتهى إلى مسامع أساتذته في جامعة كامبريدج أنه قد التحق بالكلية الإنجليزية في مدينة دويه بفرنسا (وهي مدرسة أُنشئت في فرنسا لتعليم الكاثوليك الإنجليز المنفيين من إنجلترا، ويعمل بها علماء كاثوليكيون منفيون من جامعتي أكسفورد وكامبريدج)، وأنه ينوي اعتناق المذهب الكاثوليكي. وقد انتهى قرار أساتذته إلى فصله من الجامعة، ولم يكن شيء ليثنيهم عن اتخاذ قرارهم هذا سوى الخطاب الذي أرسله فرانسيس ولسنهام، والذي يؤكد فيه أن مارلو مواطن صالح قد قدم خدمات جليلة لصالح التاج البريطاني.

وقد يكون تجسس مارلو لصالح مخابرات الملكة إليزابيث الأولى هو الشيء الذي أودى بحتفه في سن صغير؛ فقد قُتل كريستوفر مارلو وهو في 29 من عمره إثر مشاجرة اندلعت بإحدى الحانات التي كان معتادًا على ارتيادها. ويُرجح الكثير من المؤرخين أن مارلو قد قُتل بأمر من ولسنهام نفسه لأنه قد خشي منه تمردًا على نظام حكم الملكة بعد انضمامه لما يُعرف بـ«مدرسة الليل» التي كانت تتكون من عدد من الأدباء والفنانين وتتبنى أفكارًا تقدمية متطرفة معادية للدين والدولة. ونظرًا لاطلاعه على الكثير من القضايا والأسرار التي كانت ستورط شخصيات مهمة في البلاط الملكي أمر ولسنهام بالتخلص منه، ولا تزال قضية مقتل مارلو الأديب الإنجليز الشهير لغزًا محاطًا بغموض كبير حتى يومنا هذا.

ليست مجرد شجار في الحانات.. تلك الحروب اندلعت بسبب الخمور

إيان فليمينج وميلاد جيمس بوند

إياك وقول «لا» للمغامرة، بل قُل لها «نعم» دائمًا، وإلا فإنك سوف تعيش حياة كئيبة ومملة للغاية. * إيان فليمينج

وُلد إيان فليمينج، مؤلف ومبتكر شخصية الجاسوس البريطاني جيمس بوند، في 28 مايو (آيار) عام 1908 لعائلة بريطانية شديدة الثراء. وكبطل رواياته، التحق فليمينج بكلية إيتون عام 1921، ولكنه -على العكس من بوند الذي طُرد منها- تركها بإرادته الحرة ليلتحق بعدها بأكاديمية ساندهيرست العسكرية التي ما لبث أن تركها طواعية، لأن الدراسة العسكرية الصارمة لم تكن تتفق مع طبيعته المغامرة المتمردة التي لا تعترف بالقيود التي تفرضها الحياة العسكرية.

وقد كانت النمسا هي وجهة فليمينج بعد أن ترك أكاديمية ساندهيرست، إذ درس هناك الصحافة في إحدى جامعاتها العريقة. وهناك تغيرت حياة فليمينج إلى الأبد، إذ تعرف على أحد العملاء السابقين لـ«جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)»، والذي كان يعمل رئيسًا لجامعة كيتزبوهيل التي كان يدرس بها الصحافة. كان ذلك الرجل يُدعى إرنان فوربس دينيس، وقد كان له بالغ الأثر -هو وزوجته الكاتبة الروائية فيليس بوتوم- على هوس فليمينج طوال حياته بالأدب والجاسوسية معًا.

وقد كان ذلك الهوس بهذين الأمرين هو ما دفعه إلى أن يصير جاسوسًا للمخابرات البحرية البريطانية في زمن الحرب العالمية الثانية، وأن يدون مغامراته ومشاهداته أثناء عمله جاسوسًا في 12 رواية بطلها الجاسوس الأشهر على الإطلاق، جيمس بوند، والذي كانت شخصيته تشبه شخصية كاتبه إلى حد كبير.

الأديب والجاسوس البريطاني إيان فليمينج

بعد سنوات طويلة من العمل بالصحافة في العديد من وكالات الأنباء العالمية، التقى فليمينج في ليفربول بصديق قديم لأسرته، وهو الأدميرال جون جودفري، الذي كان يشغل في تلك الفترة منصب رئيس المخابرات البحرية البريطانية والذي لفت الشاب انتباهه حينها بذكائه الواضح، ونشاطه الجم وعقليته الفذة.

ولأن جودفري كان على ثقة في أن الحرب العالمية الثانية آتية بلا ريب وأن بلاده ستشارك فيها؛ فقد وضع فليمينج في رأسه وأخذ يراقب تصرفاته وسلوكه طوال فترة وجودهما معًا في ليفربول، ثم لم يلبث أن طلب منه ذات صباح أن يعمل مساعدًا له في المخابرات الحربية، ولشدة دهشته فقد وافق هذا الشاب الأرستقراطي على الفور.

وهكذا وجد الصحافي السابق، الذي طالما تهرب من الحياة العسكرية، نفسه يحمل رتبة ضابط في المخابرات البحرية البريطانية. وفي عمله الجديد، برزت موهبة  فليمينج كما لم تظهر من قبل؛ فالأفكار المجنونة للأديب القابع بداخله قد وجدت لها صدى في عقول قادته الذين كانوا يصدمون بها في أول الأمر ثم لا يلبثون أن يقتنعوا بها بعد أن تثبت صحتها وتحتل مكانة لا مثيل لها في عالم الابتكار والنجاح.

وهكذا كان فليمينج قد أشبع شغفه فيما يتعلق بموضوع الجاسوسية، ولكن ماذا عن ذلك الشغف المتعلق بالكتابة؟ بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، لم تعد المخابرات البريطانية بحاجة لخدمات فليمينج ومنحته مكافأة كبيرة ووسامًا مع خطاب شكر يشير إلى الخدمات التي قدمها لوطنه في وقت الحرب. وعلى الرغم من أن خدمته للمخابرات قد انتهت أخيرًا، إلا أنه لم يستطع أن يعود إلى عمله السابق وسيطر الملل عليه فراح يكتب روايات بطلها عميل سري خاص اسمه جيمس بوند.

الجواسيس

صورة تجمع كل الممثلين الذين قاموا بشخصية جيمس بوند منذ بداية ظهورها وحتى الآن: المصدر

استخدم فلييمنج سابق خبرته في الجاسوسية في كتابة شخصية جيمس بوند، التي ذاعت شهرتها في عالم الرواية، ومن بعدها في أفلام التجسس، من أدنى العالم إلى أقصاه. وربما لا يعلم الكثيرون أن شخصية بوند ما كانت سوى صدى لشخصية كاتبها الحقيقي. فذلك الكاتب كان، مثل بطله الشهير تمامًا، رجلًا فاتنًا يسحر النساء، وكان مهووسًا بالسيارات الفارهة المسرعة، وهو أيضًا كان مدخنًا شرهًا؛ إذ كان يدخن ما يزيد على 80 سيجارة في اليوم الواحد، و كان سكيرًا عربيدًا لا يستطيع أن يتوقف عن شرب الخمر التي أودت بحياته نتيجة جرعة كحول زائدة وهو لم يبلغ 56 من عمره.

من قصص الجاسوسية.. كيف دربت بريطانيا عملاءها خلال الحرب العالمية الثانية؟

جراهام جرين عميلًا للمخابرات البريطانية

كان جراهام جرين أديبًا ذائع الصيت حين جرى تعيينه جاسوسًا للمخابرات الحربية البريطانية بناء على توصية من أخته التي كانت جاسوسة تابعة لذلك الجهاز في ذلك الوقت. وقد ساعدته مهنته الأدبية، وكذلك حبه للسفر والمغامرة على السفر إلى بلدان عدة وجمع المعلومات من هنا وهناك دون أن يشك أحد به؛ فهو قد سافر إلى ليبيريا، والمكسيك، وهاييتي، وكوبا، وفيتنام باعتباره أديبًا يبحث عن حكايات لرواياته.

وعلى الرغم من أن جرين قد سافر إلى تلك البلدان في وقت الحرب العالمية الثانية بغرض التجسس، إلا أن زياراته هذه والمعلومات التي جمعها قد ألهمته لكتابة العديد من رواياته المشهورة، ومنها على سبيل المثال؛ «رجلنا في هافانا» و«الأمريكي الهادئ». ويعد اكتشاف جرين لخيانة صديقه وقائده في الوحدة الاستخباراتية في سيراليون، كيم فيلبي، أحد أبرز الأحداث التي أثرت في مسيرتَيه الأدبية والجاسوسية. فقد اكتشف جرين بالصدفة -بعد عودته إلى بريطانيا- أن صديقه فيلبي كان عميلًا مزدوجًا للاتحاد السوفيتي وأنه لم يكن مخلصًا لبلاده وأمد السوفييت بالكثير من المعلومات الهامة.

الجواسيس

الأديب البريطاني جراهام جرين – المصدر

بعد علم جرين بخيانة صديقه لبلاده طلب نقله من الوحدة التي كان يترأسها فيلبي وقطع علاقته به، إلا إنه لم يقدر على الشهادة ضد صديقه حين اكُتشف الأمر جرت محاكمته فاتخذ قرار الاستقالة من الاستخبارات البريطانية، واضعًا بذلك حدًا لحياته جاسوسًا لبلاده. وقد وثق جرين خيانة فيلبي ومشاعر الألم والغضب التي شعرها نحو صديقه في روايته الشهيرة «الرجل الثالث» التي تحكي عن صديق يكتشف فساد وخيانة صديقه، الذي كان يعتبره مثلًا أعلى، وكيف أنه لم يستطع الوشاية به رغم كل الألم والغضب الذين كانا يحملهما تجاهه.