تجتهد المؤسسات النسوية في خدمة النساء عبر مشاريع عدة، لكن من الغرابة أن ينصب هذا الجهد نحو تخصيص قرى كاملة للنساء فقط، يسكنّ وحدهن فيها، ويقتتن من عملهن، ويخضع الجميع فيها لقيود وقوانين وضعتها النساء.

مؤخرًا ازدادت القرى الخاصة بالنساء في العالم، وتحمل كل قرية منها حكاية مغايرة عن الأخرى، واحدة لحماية النساء من العنف الجنسي والجسدي، وأخرى لجعل النساء معيلات لأنفسهن وأطفالهن، وثالثة لحماية النساء ضحايا الحرب.

بطريركيّة الطب.. كيف عانت النساء من التمييز في المجال الطبي؟

قرية «نويفا دو كورديرو».. الكنيسة غاضبة من نساء ينعمن بالحرية

تعكس أشعة الشمس الصباحية ظلالها على منازل منمقة طليت باللون الوردي والبرتقالي، تحيط بها أشجار مشذبة تفوح منها رائحة الخزامي، أمام هذه المنازل تمر شاحنة صغيرة تقودها امرأة وبها مجموعة من النساء يذهبن للعمل في الحقول. في المساء المشهد مغاير لكنه أيضًا يحمل لمسة أنثوية مميزة؛ إذ ترى نساء في كامل زينتهن يقصدن مسرحًا يعرض مسرحية، أو رقصًأ فلكلوري، في قرية «نويفا دو كورديرو»  الذي تقع في تلال جنوب شرق البرازيل.

فمنذ أكثر من قرن بنيت هذه القرية الريفية التي تقع على بعد 300 ميل إلى الشمال من ريو دي جانيرو البرازيلية، وقد أسستها سيدة تدعى ماريا دي ليما بعدما اتُهمت بالخيانة الزوجية. وبسبب تجربة ماريا التي أُرغمت على الزواج من شخص لم  ترغب به. وُصمت القرية بأنها مكان يجمع النساء ذوات السمعة السيئة؛ ما دفع رجال الدين إلى إيقاع عقاب الحرمان الكنسي عليهن، وحتى الجيل الخامس من ذريتهن.

هذه القرية تحكمها النساء اللواتي وضعن التزامات لكل من تسكنها، وقواعد خاصة بالإدارة المالية وقوانين لحراثة الأرض وبناء المنازل، فمن بين 600 امرأة، تسكن القرية هناك 300 منهن في سن العمل  يعملن في زراعة الخضروات والفاكهة والأرز؛ إذ تغذي القرية نفسها وتجني المال.

إلا أن تلك القرية النسائية  وعلى خلاف القرى آتية الذكر، بها نساء متزوجات بالفعل،  ويسكن فيها بعض الرجال شريطة الالتزام بالقواعد، وهي الذهاب إلى العمل بعيدًا عن القرية، ولا يسمح لهم بالعودة إلى ديارهم، إلا خلال عطلات نهاية الأسبوع. وقد ذاع صيت القرية على المستوى العالمي حين نشرت الصحف خبرًا حول بحث نساء «نويفا دو كورديرو» عن أزواج لهن،  والذي على إثره تلقت نساء القرية العديد من طلبات الزواج من الرجال العازبين.

تقول الشابة نيلما فرنانديز البالغة من العمر 23 عامًا: إن «حلم كل الفتيات والشابات في هذه البلدة هو الوقوع في الحب والزواج، لكن هنا لأنه ليست بينهن من ترضى بمغادرة نويفا دي كوردييرو، ولو من أجل زوج».

«أوموجا».. العنف يلاحق نساء ينشغلن بصنع الحُلي والملابس التقليدية

في هذه القرية سيدة تدعى آني تعرضت للاغتصاب من قبل ثلاث رجال عندما كانت ترعى أغنام أسرتها ذات يوم، وهنا أيضًا جين التي هربت مع أطفالها بعد أن تعرضت لاغتصاب عنيف ترك الكثير من الآلام على جسدها إضافة إلى الاكتئاب.

قرية أوموجا (المصدر: الجارديان البريطانية)

آني وجين وغيرهن من النساء الكينيات هربن للعيش في قرية «أوموجا» التي يعني اسمها باللغة السواحلية «الوحدة». تبدو هذه القرية محاطة بسور من الشوك، وتصطف أكواخها المصنوعة من الخيزران والأغصان فيها بشكل جميل، والنساء في الداخل غالبيتهن قد عانين من العنف الجسدي والجنسي، حتى أن النسوة اللواتي أسسن القرية في عام 1990 كن ناجيات من الاغتصاب على أيدي الجنود البريطانيين الذين كانوا يحتلون كينيا آنذاك.

إذ تؤكد الكثير من النساء تعرضهن لعمليات اغتصاب جماعي ارتكبها الجنود بحق نساء خرجن لجمع حطب الوقود أو جلب المياه النظيفة، ليصبح من المتعارف عليه انضمام أي امرأة هاربة من أنواع العنف المنتشر في كينيا مثل العنف المنزلي والاغتصاب وتشويه الأعضاء التناسلية للإناث، إلى تلك القرية.

المفارقة أنه حتى داخل القرية لم تسلم النساء من العنف، فمؤسسة القرية ريبيكا لولوسولي تعرضت للضرب من قبل مجموعة من الرجال يرفضون طرح الأفكار المتعلقة بحقوق النساء في المجتمع، وتواجه لولوسولي تهديدات وهجمات متكررة من هؤلاء منذ إقامة القرية، لكنها ماضية مع غيرها من النساء في تحقيق المزيد من الإنجازات بعد مضى أكثر من 25 سنة على تأسيس القرية؛ إذ يحرصن على تدريب وتعليم النساء في «أوموجا» ومن قرى «سامبورو» المحيطة، عن قضايا الزواج المبكر وتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية وغيرها من مشاكل المرأة الكينية.

خدوش الروح.. 10 أفلام تثبت أن النساء أكثر تأثرًا بصدمات الحياة من الرجال

وفي الداخل تعمل النساء برغم قسوة الظروف مثل خلية نحل، يصنعن بمهارة الإكسسوارات وحصير الخيزران واللباس الكيني التقليدي، ثم يبعن هذه المنتجات لسياح السفاري الذين يمرون في المحميات الطبيعية القريبة منهن،  تقول إحداهن وتدعى ناغوسي: «لقد تعلمت أن أفعل أشياء هنا، حيث يُحظر عادة على النساء القيام بها، سمح لي بصنع أموالي الخاصة، وعندما يشتري أحد السائحين بعض من خرزاتي، أشعر بالفخر».

قرية السماحة.. مشروع «حكومي» لأرامل ومطلقات مصر

ضمن قرى مشروع وادي الصعايدة الواقع على بعد 125 كيلومترًا من مدينة أسوان، كانت إحدى القرى المصرية مميزة، فهي مخصصة لعيش النساء فقط، يقوم المشروع على منح مجموعة من للمطلقات والأرامل فقط  مساحة ستة أفدنة للاستصلاح الزراعي.

إنها قرية «السماحة» التي افتتحت في العام 1998  لتعيش فيها 303 من أسر الأرامل والمطلقات، حيث يتم منح كل سيدة منزلًا ويوفر لهن الأثاث والمستلزمات الزراعية، ويمكنهن أيضًا الحصول على قروض قصيرة الأجل تستخدم في الزراعة أو تربية الحيوانات. وتوفر الحكومة لتلك النساء مساعدات عينية شهرية غير مادية لمدة أربعة سنوات، تتمثل في الدقيق والسكر والزيت والأرز وبعض الخضروات أو الحبوب التي تستخدم في الطهي، لذلك يرى المار على هذه القرية في الصباح النساء في مشهد شهير بالقرى المصرية يحملن الفأس لحرث الأرض، فيما ترعى حولهن الماشية ويلهو الأطفال.

وتتولى الشرطة المصرية تأمين القرية، ولضمان عدم وجود أي رجل في القرية تعين وزارة الزراعة المصرية مراقب لمتابعة أوضاع القرية بشكل مستمر، حيث يأخذ قرار بطرد السيدة التي تتزوج ويسترد منها ما أخذت ضمن المشروع.

لكن بعض الأراضي في القرية أصابها البوار نتيجة عدم خبرة السيدات وقدرتهن على الزراعة ما قلص الأرض الصالحة حتى نحو 20%، فيما تعاني النساء في القرية من عدة مشاكل أبرزها عدم وجود طبيب مقيم في القرية وعدم تواجد سيارة إسعاف، ويطالب نساء القرية بافتتاح صيدلية، وإنشاء مدارس أخرى، وهن أيضًا يعانين من ارتفاع تعريفة المواصلات الخاصة لقلة السيارات الأجرة، وتأمل نساء القرية أن تعيد الحكومة المصرية جدولة الديون المستحقة عليهن للمشروع نظراً لتراكم الأقساط والفوائد منذ انتهاء فترة السماح في عام 2008.

قرية «جينوار» النساء فيها يقدن الجرافات ويصنعن القرميد

هذا ليس فصلًا بين الرجل والمرأة، بل مكانًا آمنًا لحماية النساء اللواتي فقدن معيلهن في الحرب، أو الأرامل والأمهات الوحيدات اللاتي يقع على كاهلهن تربية الأطفال في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

هكذا تحدثت السيدة السورية الكردية رومت هفال عن  قريتها «جينوار» التي أصبحت أحدث القرى الخاصة بالنساء في العالم؛ إذ افتتحت رسميًا في اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، في 25 من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2018.

هذه القرية التي يعني اسمها بالعربية «موطن المرأة الكردية» تقع في محافظة الحكسة السورية، حيث تقام منطقة «روجافا» ذات الأغلبية الكردية بالشمال الشرقي لسوريا، ورغم ذلك تؤكد القائمات عليها أنها لن تكون حكرًا على الكرديات فقط من تل تمر والدرباسية وكوباني، إذ يُرحب بأي امرأة للعيش فيها «بغض النظر عن قوميتها ودينها وطائفتها»، وفي «جينورا»  تعيش النساء دون أي تواجد للرجال باستثناء فترات معينة تخصص لزيارة القريبات.

وقد كانت فكرة إنشاء القرية تراود مجموع من النساء منذ عام 2015 إلا أنه في عام 2017، تم فعليًا وضع حجر الأساس، وتتألف القرية من حوالي 30 منزلًا، ومستوصف ومدرسة ابتدائية، وكذلك مخبزًا ومزرعة للخضار، وتم بناء متحف ومسرح ومطعم ومقهى للترفيه، بعدما أسهمت نحو 15 مؤسسة ومنظمة نسائية في بناء مؤسسات القرية، والتي من بينها: «اتحاد ستار» و«تنظيم المرأة في البلديات» و«مؤسسة العلاقات الدبلوماسية للمرأة».

النساء في سجون «بشار الأسد».. راقصة ومُناضلة وربة منزل

وتحرص النسوة في «جينورا» على الانخراط في الأعمال التي كانت حكرًا على الرجال، إذ يقمن بأنفسهن بصناعة مواد البناء والقرميد الطيني وأخذن بإعمار القرية من هذه المواد، وقادن الآليات اللازمة مثل الجرافات وآليات نقل مواد البناء، كما يُسيجن القرية بالأشجار، فيما تتولى  شرطيات شابات مسؤولية تأمين القرية.