علوم وتكنولوجيا

16:00 12 يناير, 2019

مترجم: ماذا تعلمنا ذاكرة النمل عن ذاكرة البشر؟

مثل الدماغ البشري، لا تعتمد مستعمرة النمل على وجود سيطرةٍ مركزية، إذ يتكون كلٌ منهما من مجموعةٍ من الأفراد المتفاعلين (الخلايا العصبية بالنسبة للدماغ، أو النملات بالنسبة للمستعمرة)، ويستخدم كلٌ منها تفاعلات كيميائية بسيطة تشكل سلوكه الجمعي. لكن الناس يستخدمون أدمغتهم للتذكر، فهل تستطيع مستعمرات النمل فعل ذلك؟ ويقودنا هذا السؤال إلى سؤالٍ آخر أدق: ما هي الذاكرة؟

في مقالها على مجلة «إيون» الأمريكية، تجيب ديبورا جوردون، أستاذة علم الأحياء في جامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا، عن هذا السؤال. وتشرح أنَّه بالنسبة للبشر، تعد الذاكرة هي القدرة على تذكر شيءٍ حدث في الماضي. لكنَّنا نطلب من الحواسيب إعادة إنتاج أفعالٍ سابقة نفذناها، وهذا التعامل مع الحاسب الآلي وكأنَّه يشبه الدماغ البشري والعكس أدى إلى تعاملنا مع «الذاكرة» كما لو أنَّها أشبه بالمعلومات المخزنة على قرصٍ صلب.

السلاحف كانت بلا أصداف والذكريات عدوى فيروسية.. أغرب 5 اكتشافات علمية في 2018

كيف تعمل الذاكرة؟

توضح ديبورا أنَّنا نعلم أنَّ ذاكرتنا تعتمد على مقدار التغيرات في الطريقة التي تُحفِّز بها مجموعةٌ من الخلايا العصبية المترابطة بعضها؛ وأنَّها تزداد قوةً بطريقةٍ ما أثناء النوم؛ وأنَّ الذاكرة الحديثة والذاكرة طويلة المدى كلاهما يعتمدان على دوائر مختلفة من الخلايا العصبية المتصلة. لكنَّ هناك الكثير مما لا نعرفه حتى الآن عن كيفية تجمُّع تلك الأحداث العصبية، وعن حقيقة وجود صور مخزنة نستخدمها للحديث عن شيءٍ حدث في الماضي، أو عن كيفية استمرارنا في أداء مهمة سبق تعلمها؛ مثل القراءة أو ركوب الدراجات.

وتقول الكاتبة إنَّه يمكن لأي كائنٍ حي أن يحمل علامات أبسط شكلٍ من أشكال الذاكرة، وهو التغيير الذي ينتج عن أحداثٍ سابقة. وتضرب مثلًا في هذا الصدد بالشجرة التي تفقد فرعًا من فروعها، فهي تتذكر الأمر بالطريقة التي تنمو بها حول الجرح، تاركةً وراءها آثارًا في نمط اللحاء وشكل الشجرة ذاته. وربما تكون قادرًا على وصف آخر مرةٍ أُصبت فيها بالإنفلونزا، وربما لا. لكن في كلتا الحالتين «يتذكر» جسمك الأمر، لأنَّ بعضًا من خلاياك الآن كونت أجسامًا مضادة مختلفة، ومستقبلات جزيئية، تعلم كيف تتعامل مع هذا الفيروس بعينه.

وبالعودة إلى مستعمرات النمل، توضح ديبورا أنَّه يمكن للأحداث الماضية تغيير سلوك مستعمرات النمل وسلوك كل نملة على حدة. وتطرح ديبورا مثال النمل النجار، الذي استطاعت نملات منه في بحثٍ تذكُّر موقع سكرٍ كان قد قُدِّمَ لها لبضع دقائق، إذ ازداد احتمال رجوع النملات إلى حيث وجدت الطعام أول مرة. وهناك نوعٌ آخر، وهو نملة الصحراء الكبرى، التي تجوب الصحراء القاحلة بحثًا عن الطعام. وتوضح الكاتبة أنَّ هذا النوع من النمل يبدو وكأنَّه لديه القدرة على تذكر المسافة التي سلكها منذ آخر مرةٍ كان في العش، أو عدد الخطوات التي اتخذها.

أما مستعمرة النمل الخشبي الأحمر، فتتذكر مسارها المعتاد الذي يقودها إلى الأشجار ذاتها مع توالي السنوات، وذلك مع أنَّ النملة الواحدة تعجز عن تذكره بمفردها بحسب الكاتبة. وفي غابات أوروبا، تحتل النملات الخشبية الحمراء أشجارًا عالية لتتغذى على إفرازات المن، التي تتغذى بدورها على الشجرة. وتتكون أعشاش تلك النملات من أكوام هائلة من إبر الصنوبر، التي تقع في المكان نفسه لعقود، وتحتله أجيال كثيرة من المستعمرات. وتميل كل نملة إلى سلك الدرب نفسه يوميًا تجاه الشجرة ذاتها، وأثناء فصل الشتاء الطويل، يجتمع النمل معًا تحت الثلوج. وتشير الكاتبة إلى عالم الأمراض العصبية الفنلندي راينر روزينجرن، الذي أوضح أنَّه عندما يخرج النمل من مستعمراته في الربيع، تخرج نملة عجوز مع أخرى شابة لتصحبها على طول المسار الذي اعتاد النمل الأكبر سنًا سلكه. وحين تموت النملة العجوز، تتبنى الأصغر تلك الدرب كأنَّها خاصة بها، مما يؤدي بالمستعمرة إلى تذكُّر مسارات السنة السابقة، أو إعادة إنتاجها.

وتشير الكاتبة أيضًا إلى مستعمرة نوعٍ آخر، وهو النمل الحاصد، الذي يتطلب البحث عن الطعام في مستعمراته وجود بعض الذاكرة الفردية لدى النملات. يبحث هذا النمل عن البذور المتناثرة دون استخدام قرون الاستشعار، وإذا وجدت نملة بذرة، فلا داعٍ لاستدعاء الأخريات، فمن المستبعد أن تكون هناك بذورٌ أخرى في الجوار. وتسلك النملات المسؤولة عن جلب الطعام مسارًا يمكن أن يمتد من العش حتى 20 مترًا. تترك كل نملة المسار وتذهب من تلقاء نفسها للبحث عن الطعام، وتظل تبحث حتى تجد بذرة، ثم تعود إليه، ربما باستخدام زاوية ضوء الشمس كدليل لها، وتحذو حذو رفيقاتها للعودة إلى العش. وفور عودتها، تُسقط بذورها، وتُحفَّز لترك العش عندما تلتقي نملةً أخرى من فريقها عائدة بالطعام. ووفقًا لديبورا، تترك المسار في المكان نفسه تقريبًا للبحث عن الطعام في رحلتها التالية.

ويتغير شكل منطقة البحث عن الطعام الخاصة بالمستعمرة كل صباح، كالأميبا التي تتمدد وتتقلص، ولا تتذكر النملة الواحدة المكان الحالي للمستعمرة بهذا النمط. وفي الرحلة الأولى لكل نملة، تميل إلى تجاوز بقية النملات التي تسير في الاتجاه نفسه، ما يُنتِج موجةً تمتد أكثر مع مضي اليوم. وتتراجع الموجة تدريجيًا، إذ يبدو أنَّ النمل الذي يذهب في رحلاتٍ قصيرة إلى مواقع قريبة من العش هو آخر من يستسلم ويعود.

مستعمرة النمل لها ذاكرة

وتوضح ديبورا أنَّ سلوك المستعمرة يتغير من يومٍ لآخر، وما يحدث في يومٍ واحد يؤثر في اليوم الذي يليه. إذ أجرت أستاذة الأحياء سلسلةً من تجارب الاضطراب، وضعت في أحدها عود أسنان أرغم النملات العاملات على الابتعاد، وحجزت في الأخرى المسارات حتى تضطر نملات الطعام إلى العمل بجهدٍ أكبر، وأنشأت في ثالثة حالةً من الاضطراب حاولت النملات المحاربات صدها. أثَّرت كل تجربة في مجموعةٍ واحدة فقط من النملات العاملات مباشرةً، لكنَّ نشاط المجموعات الأخرى من العاملات تغيَّر، لأنَّ النملات التي تتولى إحدى المهام تُقرر ما إذا كانت ستؤدي مهمتها اعتمادًا على معدل لقاءاتها القصيرة مع العاملات في المهام الأخرى. وبعد بضعة أيام فقط من تكرار التجربة، استمرت المستعمرات في التصرف كما فعلت أثناء اضطرابها، حتى بعد توقف الاضطرابات. وكانت النملات قد بدَّلت مهامها ومناصبها داخل العش، فاستغرق نمط اللقاء بين النملات وقتًا أكبر حتى عاد إلى حالته الطبيعية. وتقول ديبورا: «لم تتذكر أي نملة بمفردها أي شيء، لكنَّ المستعمرة ككل تذكرت بطريقةٍ ما».

تعيش المستعمرات مدة من 20 إلى 30 سنة، وهو عمر الملكة الواحدة التي تُنتج كل النمل، لكنَّ النملة الواحدة تعيش سنةً على الأكثر. وفي استجابتها للاضطرابات، يكون سلوك المستعمرات الأقدم والأكبر حجمًا أكثر استقرارًا من سلوك المستعمرات الأحدث منها، وأكثر استتبابًا أيضًا: فكلما زاد الاضطراب حدةً، كان من المرجح أن تركز المستعمرات الأقدم على البحث عن الغذاء أكثر من التركيز على الاستجابة للفوضى التي خلقتها ديبورا، في حين أنَّ ردات فعل المستعمرات الأحدث ازدادت حدة. باختصار، تميل المستعمرات الأقدم إلى التصرف بحكمة أكثر من الأحدث، مع أنَّ المستعمرة الأقدم لا تضم نملاتٍ أكبر سنًا أو أكثر حكمة.

مترجم: «كيف سيبدو الأمر لو كنت كلبًا».. علم الأعصاب يخبرنا بذلك

وبحسب ديبورا، تستخدم النملات معدل التقائها نملاتٍ أخريات، أو استشعارها المواد الكيميائية التي تفرزها تلك النملات، لتحديد ما يجب فعله بعد ذلك. وهذا شبيهٌ بما تفعله الخلية العصبية، التي تستخدم معدل تحفيزها عبر خلايا عصبية أخرى لتقرر ما إن كانت ستُوِّلد جهد الفعل أم لا. وفي كلتا الحالتين، تنشأ الذاكرة من التغيرات الطارئة في كيفية اتصال النملات أو الخلايا العصبية ببعضها، وتحفيز كل واحدةٍ للأخرى. ومن المرجح أنَّ سلوك المستعمرة يزداد نضجًا لأنَّ حجمها يغير معدلات التفاعل بين النمل. ففي المستعمرات الأكبر والأقدم، يزداد عدد النملات التي تلتقيها كل نملة، مقارنةً بالنملات في المستعمرات الأحدث والأصغر حجمًا، ما يُنتج ديناميكيةً أكثر استقرارًا في المستعمرة. وربما تتذكر المستعمرات الاضطرابات السابقة لأنَّها بدلت مواقع نملاتها، مما أدى إلى أنماط جديدة من التفاعل، وهذه تُدعم السلوك الجديد للمستعمرة بين عشيةٍ وضحاها أثناء خمولها، تمامًا كما تُعزَّز ذكريات البشر أثناء نومهم. وبهذا لا تكون التغيرات في سلوك المستعمرات بسبب الأحداث الماضية هي مجموع ذكريات النمل فحسب، تمامًا مثلما لا تمثل التغيرات في ما نتذكره، وما نقوله أو نفعله، مجموعةً بسيطةً من التحولات بين كل خلية عصبية وأخرى. وتقول ديبورا في النهاية: «الحقيقة أنَّ ذكرياتك أشبه بمستعمرة النمل، إذ تعجز أي خلية عصبية بمفردها عن تذكر أي شيء، مع أنَّ دماغك ككل يقدر على ذلك».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».