بادئ ذي بدء، أعترف أني لم ولن أشاهد الفيلم المثير للجدل مؤخرًا في الجزائر «فيلم العربي بن مهيدي»، وأعترف أيضًا أني لن تسنح لي فرصة مشاهدته في الأيام القادمة، مع المنع له، ومع الانحدار السينمائي الذي نعانيه، فلو أردت مشاهدته، على سبيل الفرض! عليّ التنقل مئات الكيلومترات رأسًا إلى العاصمة، فلا تأتي «السينما» ولا «السينما الثورية» أبدًا بفيلم العربي بن مهيدي إلى الأرياف الجزائرية، بصيغته الممنوعة، أو بصيغته المعدلة، لو انفرجت الأزمة.

على كل حال، لقد غدت «السينما» التي لا تعرفها الأجيال الثلاثة المتعاقبة منذ أواخر الثمانيات شيئًا سحريًّا، أقرب إلى الأحلام منه إلى الحقيقة؛ لأنها أضحت نادرة، وجميع قاعاتها في طينة الوطن قد حولت إلى قاعات حفلات أعراس، أو إلى مطاعم للشاورما مؤخرًا، أو بازارات لأجل عيون التجار الآفسوريين، وفي هذا الغياب التام لها، غدت في غفلة عن القائم الثقافي والشعبي وساحة جديدة لا يعلم بها الكثيرون، لأجل تصفية حسابات تاريخية بعينها من القيام النوفمبري وأسمائه، وعائلاته، وأشياء أخرى من التمجيد، والحط، والإعلاء والإساءة. من شتى الأطراف المنغمسين في هذه «السينما التي لا أثر لها»، والسينما الثورية النوفمبرية التي سطعت في جزائري مند سنوات خلت.

أقلتم «سينما»؟!

إن «السينما» التي أتذكرها أنا المثقف، الكاتب، ضبابية في عيوني، فلا أكاد أتحسسها جيدًا؛ لأني دخلتها ذات عام، ذات مساء، ذات عقد تسعيني في مطالعه الأولى، أتذكر أني دخلت قاعة في مدينتي الساحلية، لم تتكرر جرأتي من وقتها إلى الآن، فلم أدخل قاعة سينما أبدًا، لكني بقيت مأسورًا بما شاهدته، وقد قارب على ما شاهدته الثلاثة عقود، في أدني تقدير لما اقترفت.

على كل حال، سأخرج من حميميات السينمائية الشخصية، لأقول: إن «فيلم العربي بن مهيدي» الذي أكل خمس سنوات في الإنتاج، والتصوير، والتركيب، وإعادة التركيب، كأطول فيلم ربما يستهلك كل هذا الوقت في الجزائر، على قاعدة أن كل شيء كان جاهزًا، الأموال والسيناريو، فلماذا استغرق ما استغرقه، يا ترى؟

صناع الفيلم يقولون إنهم قضوا أعوامًا في جمع الأرشيفات التاريخية عن الشخصية، والأرشيفات التاريخية التي قال مخرج الفيلم «بشير درايس» إنها لم تكن متوفرة في الجزائر، مما اضطره للسفر من أجلها إلى مصر وفرنسا وبلدان أخرى، وأنه جمع ما مدته «300 ساعة» من التسجيلات والشهادات و الذكريات، علاوة على أن أسر وعائلات جميع الشخصيات التاريخية التي من المقرر أن تظهر في الفيلم جرى التنسيق معها مسبقًا، والأهم «عائلة الشهيد بن مهيدي» لتنهي هذه الطروادة الإنتاجية على النسخة المرفوضة التي قررت لجنة القراءة لوزارتي المجاهدين الجزائريين والثقافة رفضها، وأنها غير صالحة للعرض لعدة اعتراضات تاريخية، وتشويهية، ونوفمبرية.

ليدخل صناع الفيلم والوزارتان على مفاصل معقدة من الحقيقة، والحقيقة التاريخية، وتهم التشويه، وتهم التشويه المضاد، والأخطر في كل هذا السجال أن منتجي الفيلم «الوزارتين المعنيتين»، يرمون صناع الفيلم أنهم يريدون أن يجعلوا من سيرة «العربي بن مهيدي» ومن فيلمه ساحة لتمرير أفكار حسابات شخصية، تلك التي تتداول على هامش الأسماء النوفمبرية من أمثال «كريم بلقاسم» و«عبان رمضان» و«أحمد بن بلة» حسابات بالتمجيد أو التشويه، والأنكى أنهما «الوزارتين» يتهمان صناع الفيلم بأنهم أرادوا رواية تاريخ أسماء أخرى من خلال شريط العربي بن مهيدي، وفي كلتا الحالتين، يبدو أن «السينما» النادرة الحضور أصلًا في الجزائر أضحت ساحة سجال تاريخي عن الحقيقية النوفمبرية وما دونها، وشاشة لتصفية الحسابات الفردية والجماعية والأسرية من خلال الشاشة السينمائية.

لو صح أنهم وظفوا «السينما» كأدلة لتصفية الحسابات التاريخية من الطرفين، صناع الفيلم والوزارتين، فإن الأمر كله يغدو حينها ملعبًا من الدجالين التاريخيين جميعًا، صناع الفيلم، ومنتجيه، والمدافعين عنه، والذين هم ضد عرضه، والعائلات التاريخية، وجميع الذين من قريب أو من بعيد، امتطوا السيرة الأيقونة للشهيد الرمز «العربي بن مهيدي»، كما الحصان الطروادي لإشباع نرجسياتهم، وأنهم عبثوا بجسده الطاهر سينمائيًّا، وبتاريخه المخضب بالدماء والأسلاك الكهربائية التي عذبته، واغتياله الجبان، وبروحه التي أحسها تراقب الدجالين جميعًا، بأسى الأعمار وحزن التاريخ الجريح كله.