مفتتح الكون كان صراعًا. صراعٌ بين النور والظلمة على من يحكم. وصراعٌ بين النهار والليل على من يتملك. ومفتتح الحياة كان صراعًا. صراعُ الإنسان بكل رغباته وشهواته في التمرد أمام قيود الطاعة والرضوخ لكي لا يُقذَف من الجنة. ومفتتح الموت كان ومازال صراعًا. صراعٌ بين الملائكة والشياطين على من يضم روحك إلى حظيرته أولًا. وبين الصراعين الأخيرين مجموعة من الحروب والصراعات. صراع المال، سطوة السلطة، تحدي الخلود، وعراك الإستمرار في الحياة. ولعبة العروش هي مجموعةٌ من الصراعات العظيمة على الورق. ففي هذه اللعبة إما أن تربح أو أن تموت.

طلةٌ جانبية

الفانتازيا هي تناول الواقع من رؤية غير مألوفة. وإذا أردنا أن نؤدبها، فهي الغرائبية التي تصيب المتلقي عندما يجد نفسه أمام حدثٍ لا يستطيع تفسيره من خلال المسببات الطبيعة أو فوق الطبيعية. كما أن استخدام الفانتازيا في الأدب ليس أمرًا جديدًا أو مستحدثًا؛ فقد عُرِفت الفانتازيا لأول مرة من خلال ألف ليلة وليلة، وفي القرون الوسطى ازدحمت السير الشعبية بقصص خارقة وأسطورية، حتى وصل هذا الجنس الأدبي إلى ذروته في القرن المنصرم من خلال تولكين ورائعته ذا هوبيت، وفي نهاية القرن مع چورچ رايموند ريتشارد مارتن وأغنيته ذات الجليد والنار.

لعبة العروش

 لعبة العروش هي الكتاب الأول من سباعية أغنية الجليد والنار. وهي عمل فريدٌ في كل شيء، استطاع مارتن من خلالها أن يخلق عالمًا موازيا لعالمنا التقليدي. فالتفاصيل الأسطورية تسيطر على الرواية من كل الجوانب، بداية من القمر والسيوف، مرورًا بالأسماء والعادات والأوصاف والأشكال، وحتى رسم المناطق وخلق الممالك والجيوش. كل شيء – في هذا العمل – خاص بمارتن، فتشعر أنه قد قصد أرضًا للخيال، إستئصل منها قطعةً كبيرةً، ووضعها بين دفتي كتاب. مع بداية الرواية دفع مارتن بكمٍ مذهل من الشخصيات الثانوية والرئيسية. فمع مرور المئة صفحة الأولى من الرواية ستجد نفسك تعرفت على الجدار وحراسه، عائلة ند بكل الحكايات اللازمة لبنائها. وستمر سريعًا على روبرت حاكم الممالك السبع، وسيشغل ذهنك الحرب التي قتل فيها جايمي لانستر الملك.

 تعب شديد إكتنف عقلي أثناء فترة البناء إزاء هذا العدد المبهر من الشخصيات والممالك والصراعات والعائلات. إلا أنه يتوجب علي أن أعترف.. مارتن بناء ماهر، حكاء مدهش، استطاع بنجاح منقطع النظير أن يخلق عاطفة إنسانية داخل رواية تمتلئ بالصراعات الهمجية والعوالم الوحشية.

فلك مني رهان، ستجد نفسك متعلقًا بشخصيات مارتن، محبًا لأبطاله، حزينًا على فراق بعضهم، وستلتهم الصفحات لتتبع مصائرهم، وتعرف ما الذي تخبئه لهم أقدار كاتبهم.

لندخل اللعبة

 يبدأ التشويق عندما تتلقى كاتلين رسالة من أختها تخبرها فيها أن زوجها قد قُتِل. ومن هنا تتسارع وتيرة الأحداث تسارعًا حذرًا ومحسوبًا. وتبدأ الشخصيات الرئيسية بالتحرك من وينترفل. فجون يتوجه إلى الجدار، ند وابنتيه مع روبرت إلى الجنوب حيث ينتظرهم مصير مجنون، وتنتقل كاتلين لتنضم إلى لايسا في العش، وسيتولى روب حكم الشمال. كل هذا يحدث من خلال مجموعة من الحكايات التي تتضافر لتخلق بنية جبارة، وسرد لا يُعلى عليه، استطاع مارتن من خلاله أن ينقل إلينا خياله، ويجرجر أقدامنا إلى صراعه العظيم. وإذا تحدثنا عن السرد، فعلينا أن نشيد بترجمة هشام فهمي، ترجمة حيوية للغاية، تندر بها الأخطاء، وتحفظ لنا روح النص. ولا يفوتنا ذكر قدرة مارتن الجبارة على صياغة الحوار. فحوار مارتن رشيق مكثف. يعكس صفات أبطاله. ويرسم بسهولة خيال مصيغه.

اللعبة مليئة بالخيوط

 عند قوم الدوثراكي يوجد وجبة روائية تُعَد على النار ببطء. دنيرس وڤسيرس، حياتهم مع قوم الدوثراكي، وزواج دنيرس من آل دروجو. خط تشعر أنه مقحم على النص، بعيد كل البعد عن العالم الذي يصيغه مارتن، ولكن هنا يكمن التمكن. فعند هذا الخط ينتهي الجزء الأول بنهايته المذهلة، ومن عنده ينفجر الجزء الجديد. واللذيذ في هذه الرواية هو تبدل خيوطها المستمر، فبعد أن كان تيريون لانستر مفجرًا للعديد من الصراعات، يختفي ليظهر في المشهد چايمي وجيوشه، وسريعًا ما يعود تيريون إلى المقدمة. تبدل مستمر بين الخطوط الرئيسة والفرعية، أدى إلى تسارع وتيرة الأحداث على كل المسارح في نفس الوقت. فمن الأفضل ألا تتوقع أي شيء، فهذه الرواية تسير بوقود مارتن فقط. ففي الثلث الأخير، سيطيح مارتن برأس أحد أهم الأبطال، ويميت من حرك الكثير من خيوط اللعبة، كما أنه سينهي حياة الكثير من الأبطال الثانويين، مانحًا لك مسرحًا مزحمًا بالمعارك والصراعات، مليئًا بالحروب والتنقلات والتحالفات، فلا يوجد شخصية واحدة ستنهي الرواية من حيثما بدأت.

لنغلق لعبة العروش

 لنتفق، نحن أمام رواية أرخت لنفسها المجدَ والخلود. هذا الخلود الذي كان مصاحبًا لمسرحيات شكسبير، موسيقى فاجنر، ولوحات ڤان جوخ. فمارتن ملك في مملكة الخيال، أديب متشرب لتكنيكات السرد، فنان من فناني الحكي. استطاع أن يبتكر لنا صراعًا رهيبًا، وتمكن من خلق كل تفاصيله وحيدًا. فالعزاء الوحيد لنهاية لعبة العروش هو أنها ليست إلا الجزء الأول من سباعيته الجبارة. فلينتهِ صراع العروش، وليبدأ صدام ملوك الجنوب والشمال مع عودة تنانين آل تارجاين.