المشهد الذي بقيَ يدور في رأسي وصوت الممثل وهو يصرخ ويُمسك موظف الاستقبال في المستشفى: «ما تقلش أنا حاسس بيك!»

حين توفيت أمه لأنه لم يكن معه المال الكافي لإجراء عملية كانت يُمكن أن تنقذ حياتها، توسل البطل كثيرًا وهو يرى أمه في لحظاتها الأخيرة،لكن الموظف بتعاليم إدارية لم يسمح لهما بالدخول وقال مخاطبًا البطل: «أنا حاسس بيك بس ماقدرش»

حينها شعرتُ حقًا أنني أُريد وبكل قوتي أن ألكمه كي يصمت! وحينها بالضبط اكتمل إحساسي بمعنى أن لا أحد يُحِسُّ بعمق ما تشعر به تمامًا كما تشعر به! العُمق لك وحدك مهما كانت صِلتك بالذي يُطبطب عليك ويُهوّن مصابك، لا أحد يصله وهج الحرقة التي تأكل فؤادك إلى أن تشعر بلهيبها في حنجرتك وبمغص شديد في معدتك وبدموعك التي تُؤجج بملحها وجع الجرح.

بينما يشعرون هم بالألم مِن أجلك تكون أنت تشعر بالألم منك مُباشرة، اخترقك أولا فكانت الضربة الأقوى فيك ثُم منك تشظّى وما وصلهم إلا فُتات، مِن أجلك.

هذا لا يعني أن نكفّ عن الطبطبة وشدّ أزر بعضنا البعض، بل لنضع مقاسات للأشياء ليعرف كل حجمه ونصيبه وعلى قدره فليتجهّز للدنيا كي لا يضيع ولا يُهزم.

أنت لست وحدك، هذا ممكن جدا، لكن العُمق لك وحدك، سيُشاركك البعض في القتال والسقوط والنهوض والاستمرار أثناء معركة أو بلاء، لكن لن يصِل أغوار إحساسك وما تعيشه ولا عمق ما تشعر به أحد. مهما حاول من حولنا مُشاركتنا في كل ذلك، هناك دومًا وخزة ما، لا توجع إلا أنت. هناك تفاصيل هي خاصّتك وعلى ذمّتك وحدك ليست قابلة للبوح، ولا للمُشاركة ولا للقسمة.

لكل منا زاوية من نفسه لا يُعرّيها لأيّ كان تبقى له وحده،مسرح صراعاته وتأملاته وبعده الثالث المحجوب، اهتمّ بِك جيّدًا وتعرّف على نفسك، على خباياها وعُمقها، فالعُمق لك وحدك، أحب نفسك جدًّا، أحبّها بكل ما يقتضيه الحب من تهذيب وتشذيب وتربية وجِهاد. واجعل لها دومًا منفذًا من نور!

ولن تجد ذاك المنفذ إذا لم تتعرّف على نفسك سيزورك الخذلان في كل مرة على شاكلة جديدة. كن مع الجماعة لا مُعولا على سندهم بل واثقًا بالسدّ المنيع الذي بنيته في روحك. ستضيع ربما لكن حتمًا ستهتدي. لأنّك تحمل قنديلك فيك.

أرى البطل مِن جديد وهو يصرخ في وجه الموظف بكل عنفوان الوجع «ما تقلش حاسس بيك!» ويصطفق فؤادي مثل عصفور خائر القوى ينفث نفَسه الأخير، بعيدًا عن الإحساس بالألم ومُشاركة الآخر بذلك، أَمِنَ الإنسانية أن تُقاس حياة إنسان ولو بمال الأرض؟

أَيمكن أن نترك إنسانًا ما يُصارع مرضه ولا نسعفه لأنه لا يستطيع تسديد تكاليف العلاج؟ أو يمكن أن يكون كل هذا نتائج حتمية لِما بعد الحداثة، ما بعد الإنسان؟ ما بعد الإنسان، مُصطلح مُرعِب حقًا. لننظر في هذه المصطلحات بعيدًا عن الفيلم وبطله.

إن ما بعد الحداثة مصطلح مِن بين أهمّ ما فعله أنه جرّد الإنسان من قيمته وساوى بينه وبين عناصر الطبيعة. فالإنسان جزء من جزيئات طبيعية مُتساوية في الأهمية، فهو إذن ليس عنصرًا مُتعاليًا عليها ولا يفوقها في شيء. ويُمكن أن نأخذ مصطلح وحدة العلوم كمثال حيّ، فهو مصطلح حديث  يعني أنه لا يوجد فرق بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية بل نفس القوانين تُطبق على الإنسان والنبات والحيوان والجماد!

وهُنا يُمكننا أن نسرد حادثة شهيرة في عهد ألمانيا النازية إذْ قام الألمان حينها بتجارب طبية على مجموعة من الناس من بينهم أطفال، وقد كانت من أهم التجارب تلك التي أُجريت على عدد كبير من التوائم والتي تعرض بعضهم إلى إعاقات وتشوهات ومنهم من توفي إثر القيام بها. هكذا طُبقت نفس القوانين التي تجري على «فئران التجارب» مثلا، على الإنسان بنفس القدر. إنّ الواقع المادي ولا شكّ يزوّدنا بحقائق، لكنه أبدًا لا يُزوّدنا بقيمة (المادة ليست كل الوجود) بل هناك ما يتجاوزها، وعندما صار الإنسان لا يرى سوى الحقائق المُباشرة المادية تجرّد مِن إنسانيته ومن قيمه وذاب في «روح عصره» عصر المادة الصرّف.

عودة إلى المشهد: أظنّ الآن أن روح تلك السيّدة باعتبارها قيمة إنسانية قد تساوت مع الربح الماليّ كقيمة مادية، ولم تكن تلك المرأة الأم تعني شيئًا أعلَى ومتجاوزًا للطبيعة فانتصرت روح العصر على الإنسان، وفنيَ الإنسان.

وما كلمات موظف الاستقبال «أنا حاسس بيك لكن ما أقدرش» إلا رقصات عصفور مذبوح يُقاومُ الموت، صدى ضمير الإنسانية المكنون فينا، هو يمكن أنه قد شعر حقيقة بالأسف. لكنه إنسان مُكبل انصهر في فلسفة عصره تحت سيطرة قوة أكبر منه. ولهذا كذلك وجب على الفرد فينا أن يبني إنسانيته داخله وأن يُعوّل عليها، أن يكون قويًا به ومنه وفيه، إيمانا عميقا، أن يكون قنديله نابعًا منه كلما اشتدت حُلكة العصر شراسة يسطع هو بالنور.