هيكل محمد يكتب: هوج بول.. النصب على الطريقة الحديثة وعقوبات تنتظر المتهمين

منذ 1 سنة 89

"النصب الإلكترونى" مصطلح انتشر كثيرا في الفترة الأخيرة، وجاء ذلك متزامناً مع ما تداولته الصحف والمواقع الإخبارية عن سقوط عصابة "هوج بول" وترجع أحداث هذه الواقعة إلى قيام عصابة إجرامية يتزعمها عناصر أجنبية بالنصب على المواطنين والاستيلاء على أموالهم عن طريق إيهامهم باستثمار تلك الأموال من خلال تطبيق الكتروني عبر شبكة الانترنت يسمى بـ  "هوج بول"، وعقب قيام أفراد تلك العصابة بجمع ملايين الجنيهات من المجني عليهم، ثم أغلقوا التطبيق.

وعلى إثر ذلك تقدم عدد من المتعاملين معهم ببلاغات بتعرضهم لواقعة نصب واحتيال، وعلى الفور بدأت الجهات الأمنية في التحري وجمع المعلومات وتحديد ورصد أفراد تلك العصابة، وعليه تمكنت قوات الأمن من ضبطهم وبمواجهتهم اعترفوا بتكوين تشكيلاً عصابياً غرضه الاستيلاء على أموال راغبي المكاسب المالية السريعة عبر الانترنت وقيامهم بتحويل جزء من هذه الأموال للخارج من خلال شراء العملات الرقمية المشفرة (بتكوين). وهنا تكمن الخطورة إذ يصعب تعقب ومراقبة هذه الأموال، مما قد يؤثر على اقتصاد الدولة ككل.

وقد ثار الخلاف حول العقوبة المنتظرة التي سيتم توقيعها على الجناة في هذه الحالة، كون الجريمة قد ارتكبت من خلال تطبيق إلكتروني على شبكة الإنترنت، وحسما لذلك الجدل وجب علينا التوضيح كما يلي:-

القاعدة العامة أن جميع الوسائل في نظر القانون سواء إلا ما استثنى بنص خاص، لكن القانون المصري لم يخص ارتكاب جريمة النصب عن طريق استخدام الإنترنت بنص خاص، رغم أنه كان يجب أن يلفت نظر المشرع مع حداثة القانون والتوسع في استخدام الإنترنت في كافة المجالات. ومن ثم فإن النصب الإلكتروني هو ذاته النصب بالمفهوم التقليدي، غير أنه تم عن طريق شبكة الإنترنت.

وقد واجه المشرع المصري جريمة النصب في المادة 336 مـن قانون العقوبات والتي تنص على: (يعاقب بالحبس كل من توصل إلى الاستيلاء على نقود أو عروض أو سندات دين أو سندات مخالصة أو أي متاع منقول، وكان ذلك بالاحتيال لسلب كل ثروة الغير أو بعضها إما باستعمال طرق احتيالية من شأنها إيهام الناس بوجود مشروع كاذب أو واقعة مزورة أو إحداث الأمل بحصول ربح وهمى أو تسديد المبلغ الذي أخذ بطريق الاحتيال أو إيهامهم بوجود سند دين غير صحيح أو سند مخالصة مزور وإما بالتصرف في مال ثابت أو منقول ليس ملكا له ولا له حق التصرف فيه، وإما باتخاذ اسم كاذب أو صفة غير صحيحة. أما من شرع في النصب ولم يتممه فيعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنة. ويجوز جعل الجاني في حالة العود تحت ملاحظة البوليس مدة سنة على الأقل وسنتين على الأكثر).

ومن خلال نص المادة السابقة يمكن تعريف النصب بأنه: (توصل الجاني إلى الاستيلاء على مال المجنى عليه بالطريق الاحتيالية). هذا وتعد الطرق الاحتيالية أكثر وسائل النصب انتشاراً، ولم يرد في القانون أو أحكام القضـاء تعريف لها، إلا أن جانبا من الفقه قد عرفها على أنها «مظاهر خارجية يدعم بها الجاني أكاذيبه لحمل المجنى عليه على الاعتقاد في صحة ما يدعيه». ولا يكفى لقيام جريمة النصب أن يصدر عـن المتهـم كذب مغلف بإحدى الطرق الاحتيالية، بل يجب فضلاً عن ذلك أن يهـدف من وراء احتياله تحقيق غاية من الغايات المنصوص عليها فى المادة 336 من قانون العقوبات وهى إيهام الناس «بوجود مشروع كاذب أو واقعة مزورة أو إحداث الأمل بحـصول ربح وهمي... ويقصد بالإيهام بوجود مشروع كاذب أن يدخل الجاني في روع المجنى عليه أن هناك أمراً يتحقق مـستـقبلاً يقتضى توافر الجهـود البشرية وتوفير الأموال اللازمة لتحقيق غرض معين، ويشترط لـتـوافـر جريمة النصب أن يكون المشروع الذي يوهم المحتال المجنى عليـه بـوجـوده كاذباً، فاذا كان حـقـيـقـيـاً فـلا تقوم الجريمة، ولكن لا يشترط لقيام الجريمة أن يكون المشروع وهميا تماما، بل يكفى أن يكون كذلك في بعض جوانبه، أو أن يكون له وجود فعلى ولكنه يواصل نشاطه باستخدام الطرق الاحتيالية، أو سبق وجوده فعلا في الواقع، ولكن لم يعد له للحظة استخدام الطرق الاحتيالية ضد المجنى عليه.

ويجب لقيام جريمة النصب توافر علاقة السببية بين فعل التدليس ونتيجته وهي تسليم المال، فيحدث التسليم نتيجة وسائل التدليس التي أوقعت المجنى عليه في الغلط الدافع لهذا التسليم، فتوافر علاقة السببية في جريمة النصب يقتضي من ناحية أن يؤدي فعل التدليس الى ايقاع المجنى عليه في الغلط، ل، ومن ناحـيـة أخـرى أن يكون هذا الغلط هو الدافع الى تسليم المال، ويجب أخيراً لتوافر علاقه السببية أن تكون الوسائل التدليس سابقة على تسليم المال حتى يمكننا القول على نحو منطقي بأن التسليم حدث نتيجة التدليس.

أما عن الركن المعنوي لجريمة النصب فإن هذه الجريمة دائماً جريمة عمدية لا تقوم إلا بتوافر القصد الجنائي لدى المتهم، ويقوم القصد الجنائي على عنصرين ألا وهما العلم والإرادة، فيجب أن يعلم الجاني بأركان الجريمة كما حددها القانون، فمن ناحية يعلم بأنه يرتكب فعلاً من أفعال التدليس، ومن ناحية أخرى يجب أن يكون عالماً بأن من شان هذه الوسيلة ايقاع المجني عليه في غلط يدفعه إلى تسليم ماله، ويجب أخيراً أن يعلم بأن المال الذي يقصد الاستيلاء عليه مملوك لغيره. أما عن الإرادة فيجب أن تتجه إرادة الجاني إلى مباشره النشاط الاجرامي (فعل التدليس)، وإلى نتيجة هذا النشاط وهي حمل المجني عليه إلى تسليم ماله نتيجة الغلط الذي وقع فيه.

وعن عقوبة جريمة النصب فقرر المشرع لها عقوبة أصلية هي الحبس وعقوبة تكميلية جوازية هي الوضع تحت مراقبة الشرطة مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد عن سنتين، ويلاحظ أن عقوبة المراقبة تطبق على المتهم سواء ارتكب الجريمة تامة أو توقفت عند حد الشروع فيها.

ونظراً لكون الجريمة قد ارتكبت عبر شبكة الانترنت فإنه يسري عليها أيضاً قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر بالقانون رقم 175 لسنة 2018 كما يلي:

فقد نصت المادة (22) من القانون على أنه (يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين، وبغرامة لا تقل عن ثلاثمائة ألف جنيه ولا تجاوز خمسمائة ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من حاز أو أحرز أو جلب أو باع أو أتاح أو صنع أو أنتج أو استورد أو صدر أو تداول بأي صورة من صور التداول، أي أجهزة أو معدات أو أدوات أو برامج مصممة أو مطورة أو محورة أو أكواد مرور أو شفرات أو رموز أو أي بيانات مماثلة، بدون تصريح من الجهاز أو مسوغ من الواقع أو القانون، وثبت أن ذلك السلوك كان بغرض استخدام أي منها في ارتكاب أية جريمة من المنصوص عليها في هذا القانون أو إخفاء آثارها أو أدلتها أو ثبت ذلك الاستخدام أو التسهيل أو الإخفاء).

كما نصت المادة (27) على أنه : (في غير الأحوال المنصوص عليها في هذا القانون، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه، ولا تزيد على ثلاثمائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من أنشأ أو أدار أو استخدم موقعًا أو حسابًا خاصًا على شبكة معلوماتية يهدف إلى ارتكاب أو تسهيل ارتكاب جريمة معاقب عليها قانوناً).

بينما نص الفصل الثامن من ذات القانون على العقوبات التبعية، حيث نصت المادة (38) على (مع عدم الإخلال بحقوق الغير حسن النية، على المحكمة فى حالة الحكم بالإدانة فى أى جريمة من الجرائم المنصوص عليها فى هذا القانون، أن تقضى بمصادرة الأدوات والمعدات والأجهزة مما لا يجوز حيازتها قانوناً، أو غيرها مما يكون قد استخدم فى ارتكاب الجريمة أو سهل أو ساهم فى ارتكابها).