قصة "كوه نور" الألماسة التعيسة التي يطالب الهنود باسترجاعها من بريطانيا

منذ 1 سنة 81

عقب وفاة الملكة إليزابيث الثانية اكتسبت مطالب استرداد ألماسة "كوه نور" المرصعة على التاج البريطاني زخماً في الهند مرة أخرى. إلا أن هذه المطالبات كانت محدودة في نطاق مواقع التواصل الاجتماعي ولم تؤخذ على محمل الجد، لأن فرص تحقيق هذه المطالب ضئيلة جداً لا سيما بعد إعلان الحكومة القومية في الهند انسحابها من هذه المطالبة.

هذا التاج المزين بـ105.6 قيراط من ألماسة "كوه نور" أصبح الآن ملكاً لكاميلا، زوجة الملك تشارلز الثالث، أكبر أبناء الملكة الراحلة الذي أدى اليمين الملكية بعد وفاة والدته في سبتمبر (أيلول) الماضي.

خلال هذا البحث عن تاريخ "كوه نور" سألنا عدداً من المؤرخين والباحثين ما إذا كانت المطالبة باسترداد ألماسة "كوه نور" مناسبة وعملية، وكان رأي الغالبية منهم أن "كوه نور" لا يمكن استردادها على رغم أنها كانت ملكاً للهند.

تاريخ "كوه نور"

يتفق أغلب المؤرخين الهنود على أن الألماسة التي سميت بعد ذلك بـ"كوه نور" تم اكتشافها في سلطنة قطب شاه من منجم في غولكندا (حيدر آباد)، المنطقة المعروفة بمناجم الألماس، ويقع هذا المنجم اليوم في إقليم أندرا برديش جنوب الهند.

يقول مؤرخ حيدر آباد العلامة إعجاز فرخ، في حديث لـ"اندبندنت أوردو" من مدينة شيكاغو الأميركية، إن ألماسة "كوه نور" التي تم اكتشافها من منجم في غولكندا، حصل عليها رجل يسمى مير محمد سعيد الذي كان يتاجر بالألماس والأحجار الكريمة لصالح بعض كبار أفراد العائلة الحاكمة في سلطنة قطب شاه.

يقول إعجاز إن مير محمد كان يحافظ على هذه الألماسة في حقيبة جلدية يأخذها معه في كل مكان، وكان وزن الألماسة حين ذاك 756 قيراطاً تقريباً. ذات مرة جلس ابن مير محمد وهو في حالة سكر على عرش الملك بالخطأ، فغضب عليه الملك وعزل مير محمد من منصبه عقاباً على صنيع ولده. لجأ مير محمد إلى المغول للمساعدة بعد عزله من المنصب في سلطنة قطب شاه، وذهب ليقابل الإمبراطور المغولي المعروف شاه جهان، وقدم له ألماسة "كوه نور" كهدية لتصبح هذه الألماسة بعد ذلك ملكاً للمغوليين. عين مير محمد بعد ذلك من قبل المغوليين حاكماً على إقليم بنغال.

انتقلت هذه الألماسة بعد ذلك من يد المغول إلى حاكم أفغانستان ولها قصة مثيرة، إذ هجم حاكم أفغانستان نادر شاه على الهند عام 1739 ميلادي في عهد محمد شاه رنكيلا، الذي كان يعد من أضعف وآخر حكام المغول. أخبر بعض جواسيس نادر شاه أن محمد شاه رنكيلا يخبئ في عمامته ألماسة ثمينة، احتال نادر شاه على رنكيلا وأخذ الألماسة أثناء أداء تقليد تغيير العمائم، وعندما رأى الألماسة اللامعة سماها "كوه نور"، أي جبل النور، وأخذها معه إلى أفغانستان مع الغنائم الأخرى.

هناك رواية أخرى عن "كوه نور" في كتب التاريخ، وهي أن الألماسة الثمينة تم العثور عليها في القرن الثالث عشر الميلادي في حيدر آباد، وأخذها في بداية الأمر الجنرال ملك كافور في عهد الملك علاء الدين خلجي، وبقيت مع العائلة الخلجية مدة طويلة إلى أن استولى اللودهيون على الهند، ثم انتقلت منهم إلى مؤسس الدولة المغولية في الهند الملك ظهير الدين بابر، وبقيت مع المغول إلى أن أخذها نادر شاه.

ثمينة لكنها تعيسة!

يقول المؤرخ علامة إعجاز إن "كوه نور صخرة جلبت الدمار أينما حلت، إنها ألماسة تعيسة حيث قتل نادر شاه بعد أعوام من حصوله عليها، وذهبت في يد خليفته أحمد شاه أبدالي لكنها لم تستقر عنده أيضاً ورجعت للهند نتيجة المعارك التي حصلت بين الحكام الهنود وأحمد شاه أبدالي".

كان الحاكم الهندي المعروف رنجيت سينغ يربط "كوه نور" على ذراعه أثناء المناسبات الخاصة. استولى الإنجليز على حكومة بنجاب (التي كان تحكمها عائلة رنجيت سينغ) بعد موت رنجيت سينغ، وأعطيت "كوه نور" للسير هنري لورانس ومن خلاله وصلت الألماسة إلى اللورد دلهوزي، الذي قدمها للملكة فيكتوريا في 3 يوليو (تموز) عام 1850، ولا تزال إلى اليوم في يد البريطانيين.

لم يتبق من هذه الألماسة الثمينة التي كانت تزن 756 قيراطاً بعد القطع المتكرر إلا 105.6 قيراط، إلا أن هذه الألماسة التي تزين التاج البريطاني في قصر "وندسور"، لا تزال أحد أكثر الألماسات قيمة في العالم.

"غولكندا" الأرض المليئة بالألماس

قبل أن نواصل قصة "كوه نور" ونتطرق إلى نقاش استردادها من بريطانيا، دعونا نلقي نظرة على الأرض التي أخرجت للعالم هذه الألماسة الثمينة. يقول العلامة إعجاز في كتابه عن مدينة حيدر آباد، إن أرض غولكندا كانت يستخرج منها الألماس بوفرة، وكانت هناك سوق كبيرة للألماس في تلك المنطقة قرب معلم جهار منار تسمى كاروان.

برزت غولكندا في عهد السلطان محمد قطب شاه في تعدين الألماس إلى جانب التجارة الصناعية، لذا وضع التعدين تحت إشراف ملكي عام 1623. ينقل العلامة إعجاز عن السائح والتاجر الفرنسي تيونير أن عدد مناجم الألماس في تلك المنطقة يبلغ 23 منجماً، ولا يمكن حصر الألماس الذي يستخرج من هذه المناجم، بل يتم عد الأكياس التي يجمع فيها الألماس. ويضيف تيونير عن طريقة الاستخراج أن الرجال والنساء والأطفال جميعهم كانوا يشاركون في العملية ويتقاسمون المهام.

اشتهرت غولكندا بالمعادن في العالم، ويقول عبدالمجيد صديقي في كتابه "تاريخ غولكندا" إن السلطنة كانت تكتسب عوائد كبيرة من تجارة المعادن. ويضيف أن بداية اكتشاف المعادن كانت في عهد محمد قطب شاه ثم تقدم الأمر في عهد عبدالله قطب شاه.

ألماسة "كوه نور" هي الأشهر من ألماسات غولكندا في العالم، لكنها ليست الوحيدة التي تناقلها الحكام وتسابقوا عليها. يذكر العلامة إعجاز فرخ 30 ألماسة من غولكندا منتشرة في مختلف أنحاء العالم. ألماسة "هوب" على سبيل المثال تم العثور عليها في القرن السابع عشر الميلادي، واشتراها بعد ذلك هنري فيليب وقطعها على شكل بيضاوي، وهي محفوظة اليوم في متحف هنري في مدينة واشنطن. ألماسة "ريجينت" المرصعة على التاج الفرنسي تم استخراجها من غولكندا أيضاً وكانت توزن 410 قراريط، لكن لم يتبق منها اليوم بعد القطع إلا 140 قيراطاً.

هناك ألماسة أخرى لها قصة مثيرة وهي أنها سرقت من أحد المعابد الهندوسية واختفت لمدة ثلاثة قرون قبل أن يستردها السلطان العثماني عبدالحميد الثاني عام 1906، وانتهى بها الأمر اليوم في متحف لوفر الفرنسي.

هل يمكن استرجاع "كوه نور"؟

قضية استرجاع ألماسة "كوه نور" من بريطانيا تعود إلى الساحة في الهند وباكستان بين الفينة والأخرى، استفسرنا من بعض الخبراء خلال هذا البحث عما إذا كانت هذه المطالبات محقة أم لا. تقول أستاذة التاريخ في مركز قراءات التاريخ التابع لجامعة جواهر لال نهرو، سوشيتا موهاجن، إن البريطانيين لو كانوا يريدون إرجاع "كوه نور" لكانوا أرجعوها من قبل، هل يعقل أن البريطانيين سيستمعون لمطالبات على "تويتر" ويرجعون الألماسة التي حصلوا عليها قبل 173 عاماً؟ وتضيف أن "بريطانيا استولت على مخطوطات ورسومات ولوحات وأشياء ثمينة أخرى من الهند، فلماذا تقتصر مطالبنا على كوه نور؟ لماذا لا نطالب بتعويضات مقابل الخسائر المادية والروحية التي تسبب فيها الإنجليز أثناء احتلالهم الهند؟".

أستاذ التاريخ في جامعة عليكره سيد علي نديم يرى أن التركيز يجب أن يكون على حفظ الأشياء النادرة والثمينة التي ما زالت محفوظة في الهند، بدلاً من محاولة استرجاع النوادر التي أخذت في السابق لأن ما حدث في الماضي لا يمكن تغييره.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقول سيد علي إن الهند كانت محقة في مطالبتها لو أثبتت أنها تستطيع الحفاظ على النوادر. ويتابع "القطع الثمينة في مكتباتنا ومتاحفنا معرضة للخراب على عكس الأشياء الثمينة التي تم حفظها في المتاحف والمكتبات الأوروبية، فهي محفوظة هناك ويمكن للباحث رؤيتها والاستفادة منها. يجب أن نتعلم الدرس ونستفيد من هذه الدول التي حافظت على قطعنا الثمينة في متاحفها".

في هذا الصدد ترى البروفيسورة شيرين موسوي أن قضية الاسترجاع كغيرها من قضايا العلاقات الدولية تتعلق بالقوة. وتقول إن "الإنجليز حصلوا على كوه نور من خلال الحرب وأخذوها إلى بريطانيا مع الغنائم الأخرى. والمنتصرون لا يرجعون الغنائم للدول المغلوبة". العلامة إعجاز فرخ أيضاً يؤيد هذا الرأي.

في الجانب الآخر يرى الباحث في جامعة عليكره محمد ظفر منهاج أن مطالبات استرجاع "كوه نور" محقة وصحيحة، ويؤيده في هذا الرأي المؤرخ شاهد زبيري والبروفيسورة فرحت حسين، فهم يعتبرون أن أخذ "كوه نور" إلى بريطانيا هي عملية استيلاء وسرقة للممتلكات الهندية الثمينة وذات الأهمية التاريخية، لذا يجب استعادتها إلى الهند.

ويقول الدكتور نديم رضوي معلقاً على اهتمام الناس بمطالبة استرجاع "كوه نور"، إن الناس يظنون أنه لو تم استرجاع "كوه نور" فسيتم حل المشكلات الاقتصادية في بلدهم، لذا هم ينشغلون بهذه المطالبات بدلاً من مساءلة الحكومة عن العطالة والوضع المتردي للاقتصاد في البلد.

ليست مجرد ألماسة!

ويؤكد بعض الباحثين أن "كوه نور" ليست مجرد ألماسة ثمينة بل لها أهمية رمزية عبر التاريخ لأن المنتصر هو الذي كان يملك هذه الألماسة دائماً.

وتشير فرحت حسين إلى أن "كوه نور" هي علامة استقلال الهند ولها أهمية كبيرة عند الهنود، إلا أن الإنجليز لا يرغبون بإرجاعها على رغم أنهم لا يستفيدون منها اقتصادياً. أما البروفيسور رضوي فيقول إن "كوه نور" لها أهمية تاريخية حيث تناقلتها الأسر الحاكمة في الهند، وكانت رمزاً للقوة في ذلك الزمان حتى أخذها الإنجليز إلى بلادهم مع الثروات الأخرى.

وتتطرق طالبة الدكتوراه في جامعة حيدر آباد بريتي سينغ إلى زاوية أخرى، إذ تقول إن هذه الألماسة كانت ملكاً للهند المتحدة وهي مهمة لكل من باكستان والهند، ويمكن أن تنشب الخلافات بين الدولتين حول ملكية "كوه نور" إذا تم استرجاعها، وهو أمر ليس جيداً للمنطقة. وتضيف أن اهتمام الناس بموضوع "كوه نور" موقت، إذ تظهر كل أسبوع قضية جديدة يلتفت إليها الناس وينسون القضية السابقة من دون أن يتم حلها.

وحول ملكية "كوه نور" توضح فرحت حسين أن الهند هي الأولى بملكية "كوه نور" لسببين: أولاً، لأنها كانت ملكاً للمغول قبل قدوم الإنجليز للهند، وعاصمة مغول كانت دلهي وآكرة اللتين تقعان اليوم في الهند. ثانياً، لأن باكستان كانت جزءاً من الهند قبل 1947، ولا يحق لها قانونياً أن تطالب بملكية ألماسة "كوه نور".

موقف الحكومة الهندية

تاريخ مطالبات استرجاع "كوه نور" قديم، ولا تقتصر المطالبات على الهند، بل تشمل أيضاً باكستان وإيران وأفغانستان، وهناك شخصيات مهمة شاركت في هذه المطالبات من بينهم راج موهن غاندي حفيد مهاتما غاندي. عادت هذه المطالبات مرة أخرى عند زيارة الملكة إليزابيث للهند عام 1997، إضافة إلى ذلك هناك أعضاء في البرلمان البريطاني من أصول هندية طالبوا أيضاً بإرجاع "كوه نور" للهند.

مطالبات الاسترجاع ظهرت في باكستان أيضاً حيث رفع محام باكستاني عام 2015 دعوى استرجاع "كوه نور" من بريطانيا في محكمة لاهور العليا. وفي عام 2019، غرد وزير الإعلام الباكستاني آنذاك فؤاد تشودري، أن بريطانيا يجب أن تعيد "كوه نور" إلى متحف لاهور.

ردت بريطانيا من جانبها بالرفض على هذه المطالبات أكثر من مرة. وأوضح رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون خلال مقابلة أثناء زيارته للهند عام 2013، أن الألماسة لن يتم إرجاعها.

أعلنت الحكومة الهندية في أبريل (نيسان) 2016 أنها ستبذل كل الجهود لاسترجاع "كوه نور"، إلا أن المدعي العام الجنرال رنجيت كمار أدهش الجميع خلال جلسة استماع في المحكمة العليا في العام نفسه، عندما قال إن "كوه نور" ملك لبريطانيا ولا يمكن استرجاعها. وأضاف أن الإنجليز لم يسرقوها بل تم تقديمها لهم في عهد رنجيت سينغ مقابل أخذ مساعدتهم في الحروب. أخذت الحكومة موقفاً مطابقاً لتصريح المدعي العام أمام المحكمة العليا في قضية التماس رفعها أحد المواطنين، وأخبرت المحكمة أن الهند يجب أن تتخلى عن مطالبة استرجاع "كوه نور" لأن الحقيقة هي أنها قدمت لهم كهدية عام 1850.

نقلا عن "اندبندنت أوردو"