«تسونامي الجوع»... تهديد عالمي تصنعه الطبيعة وتفاقمه الصراعات

منذ 1 سنة 105

لم تكن قمة الأمم المتحدة للمناخ (COP 27)، المنعقدة حالياً في مدينة شرم الشيخ المصرية، مناسبة فقط لـ«التحذير من تداعيات التغيرات المناخية، وحشد الجهود الدولية للحد من تأثير تلك التداعيات»، بل إنها ذكّرت بخطر يتهدد ملايين البشر معظمهم في المنطقة العربية وأفريقيا، هذا الخطر وفقاً لأحدث التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة، هو «تسونامي الجوع»، الذي بات تهديداً حقيقياً جراء الزيادة غير المسبوقة في معدلات نقص الغذاء، سواء بسبب العوامل الطبيعية، أو الصراعات الأهلية والنزاعات المسلحة.
وتحدث خبراء إلى «الشرق الأوسط»، عن أسباب تفاقم مخاطر المجاعات في مناطق بعدد من الدول، خاصة في ظل توقعات أممية بأن يمتد «تفاقم انعدام الأمن الغذائي الحاد في الفترة بين أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إلى يناير (كانون الثاني) 2023».
ولعل أحدث إفادة تتعلق بالنزاع في إثيوبيا، أمس (السبت)، التي يمثلها إعلان طرفي الصراع الاتفاق على تسهيل إيصال «المساعدات الإنسانية لكل من يحتاجونها» في منطقة تيغراي، دليل متزايد على دقة التحذيرات التي أطلقتها مؤسسات أممية وإنسانية بشأن مخاطر الجوع التي تهدد نطاق المعارك.
وبحسب تقرير لـ«برنامج الأغذية العالمي»، التابع للأمم المتحدة، الصادر منتصف مارس (آذار) الماضي، وحمل عنوان «بؤر الجوع الساخنة - الإنذار المبكر»، فإن هناك حاجة إلى إجراءات إنسانية عاجلة في 20 «بؤرة ساخنة للجوع» حول العالم.
ووفقاً للتقرير، لا تزال إثيوبيا ونيجيريا وجنوب السودان واليمن، تعيش في «حالة التأهب القصوى»، باعتبارها بؤراً ساخنة ذات ظروف كارثية، وقد دخلت أفغانستان والصومال لأول مرة ضمن هذه الفئة.
كما لا تزال – بحسب التقرير أيضاً - الكونغو الديمقراطية وهايتي والساحل الأفريقي والسودان وسوريا، في وضع مثير لـ«القلق البالغ» مع تدهور الأوضاع الحرجة، وكذلك انضمت كينيا إلى القائمة، وأضيفت أيضاً سريلانكا ودول غرب أفريقيا الساحلية كبنين والرأس الأخضر وغينيا، وأوكرانيا وزيمبابوي، إلى قائمة البلدان ذات البؤر الساخنة، في حين جاءت أنغولا ولبنان ومدغشقر وموزمبيق بقائمة «بؤر الجوع الساخنة».


المجاعة تهدد الملايين


وذكر التقرير السنوي الذي نشرته الشبكة العالمية لمكافحة أزمات الغذاء (GNAFC)، وهي تحالف دولي للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والوكالات الحكومية وغير الحكومية التي تعمل معاً لمعالجة أزمات الغذاء، في مايو (أيار) الماضي، أن نحو 193 مليون شخص في 53 دولة أو إقليماً، قد عانوا من انعدام الأمن الغذائي الحاد في أوقات الأزمات، أو مستويات أسوأ خلال العامين الأخيرين.
وبحسب المنظمة، اتسعت دائرة الدول التي سقطت في هاوية فقدان الأمن الغذائي خلال عام 2022، وهو ما أرجعه التقرير إلى الصراعات التي اعتبرها «المحرك الرئيس لانعدام الأمن الغذائي»، وأن البلدان التي تتعامل بالفعل مع مستويات عالية من الجوع الحاد معرضة بشكل خاص للمخاطر التي أوجدتها الحرب في أوروبا الشرقية.
كما دقت الأمم المتحدة ناقوس الخطر بشأن مخاطر المجاعة التي تهدد ملايين الأشخاص عبر العالم، منها على سبيل المثال لا الحصر، منطقة القرن الأفريقي المهددة بأسوأ جفاف منذ أكثر من 40 سنة، في خامس موسم على التوالي دون تساقطات مطرية، مما يتسبب في تدمير سبل العيش، وتفاقم الوضع الإنساني في إثيوبيا والصومال وأنحاء من كينيا، بما في ذلك خطر المجاعة في الصومال.
ومنذ بداية هذا العام، دفعت أزمة الغذاء العالمية المتصاعدة 260 ألف طفل إضافيين - أي طفل واحد كل 60 ثانية - نحو المعاناة من الهزال الشديد في 15 بلداً تتحمل أشد وطأة للأزمة، بما فيها بلدان منطقة القرن الأفريقي ومنطقة الساحل الوسطى. ويأتي هذا التصاعد في الهزال الشديد ليضاف إلى المستويات الحالية لنقص التغذية بين الأطفال، التي حذرت «اليونيسيف» من أنها تدفع العالم إلى «شفير مستويات كارثية» من سوء التغذية.
ويقدّر المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، ديفيد بيزلي، أن ما تشهده العديد من دول العالم حالياً، «عاصفة مكتملة الأركان لن يقتصر ضررها على أفقر الفئات فحسب، بل سيتسع نطاق ضررها ليصيب ملايين الأسر؛ لأن الظروف أسوأ بكثير مما كانت عليه خلال فترة (الربيع العربي) في 2011، وأزمة أسعار الغذاء خلال عامي 2007 و2008، عندما هزت الاضطرابات السياسية وأعمال الشغب والاحتجاجات 48 بلداً».


الجوع... تكتيك حرب


ولا تقتصر مسببات «تسونامي الجوع» الذي تتوقع مؤسسات أممية أن يجتاح شعوباً بأكملها خلال الآونة المقبلة، على العوامل الطبيعية كالجفاف والتصحر، ونقص الموارد الطبيعية لإمدادات الغذاء فحسب، بل يلقي كثير من المختصين باللائمة على استمرار النزاعات الأهلية والمسلحة، التي تفاقم من أثر انعدام الأمن الغذائي، كجزء من انعدام الأمن إجمالاً.
وأظهر تقرير لبرنامج الأغذية العالمي، نُشر ملخصه منتصف العام الحالي، أن الروابط بين الجوع والنزاعات معقدة، وتأثيرها واسع النطاق، وأن العديد من الأشخاص الذين يدعمهم البرنامج يفرون من الصراع، وقد اضطروا إلى التخلي عن أراضيهم ومنازلهم ووظائفهم.
ومن المرجح، بحسب البرنامج الأممي، أن تستمر هذه الاتجاهات في اليمن وميانمار وجمهورية أفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية ووسط الساحل والسودان وجنوب السودان والصومال، والأجزاء الشمالية من إثيوبيا ونيجيريا وموزمبيق.
واعترف وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، مارتن غريفيث، خلال جلسة لمجلس الأمن حول حماية المدنيين في النزاع المسلح باليمن، في وقت سابق هذا العام، بأن «الأطراف المتحاربة تعمدت قطع الإمدادات التجارية والخدمات الأساسية التي يعتمد عليها المدنيون للبقاء على قيد الحياة؛ إذ يُستخدم الجوع أحياناً كتكتيك حرب».
وأشار تقرير للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، إلى أن الأزمة الإنسانية في اليمن بلغت مستويات غير مسبوقة من التدهور، وأن استمرار القتال يعني بالضرورة تدهوراً إضافياً للأزمة، وتنامي الخطر الوشيك لحدوث مجاعة تهدد حياة الملايين، خصوصاً في ظل أزمة التمويل التي تعاني منها المنظمات الإغاثية العاملة في اليمن.
ويمنياً أيضاً، فإن تقريراً اقتصادياً صدر عن وزارة التخطيط والتعاون الدولي باليمن، قبل أسبوع تقريباً، أكد أن «نحو 19 مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال النصف الثاني لهذا العام، في حين سيعاني نحو 538 ألف طفل من سوء التغذية الحاد، وهو ما يضع الأزمة الإنسانية باليمن ضمن أسوأ الأزمات في العالم».
وفي المقابل، فإن التقرير أشار إلى أن «المملكة العربية السعودية أتت في طليعة الدول المانحة لليمن، وبخاصة في المساعدات الإغاثية والإنسانية، بنسبة بلغت نحو 30 في المائة، تلتها الإمارات العربية المتحدة بنحو 25 في المائة، ثم الولايات المتحدة الأميركية، والبنك الدولي، والمملكة المتحدة».


أزمات طبيعية... وسياسية


وتشهد منطقة القرن الأفريقي جفافاً هو الأشد من نوعه منذ عام 1981؛ إذ تسبب الجفاف الشديد في دفع ما يقدر بنحو 13 مليون شخص في إثيوبيا وكينيا والصومال إلى الجوع الشديد في الربع الأول من هذا العام، وقد أدى فشل موسم الأمطار لمدة 3 سنوات متتالية إلى تدمير المحاصيل ونفوق أعداد كبيرة من الماشية بشكل غير طبيعي، وفقاً لبرنامج الأغذية العالمي.
كما تواجه المنطقة تحدياً يضاعف من الأزمة، يتمثل في استمرار الصراعات المسلحة، وعجز الأنظمة السياسية في تلك المنطقة عن توفير مناخ من الاستقرار يساعد في تقديم المساعدات الإنسانية اللازمة، بل في أحيان أخرى قد تكون تلك المساعدات ورقة ضغط في الصراع، كما يقول ويليام ديفيسون، خبير الشؤون الإثيوبية في مجموعة الأزمات الدولية، الذي يضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن الصراعات السياسية، وعجز الأنظمة عن استباق الأزمات، أو اتخاذ الإجراءات الناجعة في مواجهة تلك الأزمات، هو السبب الأبرز وراء كثير من الأزمات الإنسانية، حتى في تلك الدول التي لا تعاني من مشكلات أو نقص في الغذاء يرجع إلى عوامل طبيعية.
ويضرب ديفيسون مثالاً بأزمة إقليم تيغراي في إثيوبيا، مشيراً إلى أن إثيوبيا معروفة بثرواتها المائية والزراعية، إلا أن الصراع الممتد في الإقليم، وإطالة أمد النزاع المسلح بين الحكومة المركزية وقوات «تحرير شعب التيغراي»، وفشل جهود إحلال السلام في أكثر من مناسبة؛ فاقمت من المعاناة الإنسانية في الإقليم.
ويضيف أن مضاعفة الأزمات الإنسانية تُستغل أحياناً كورقة في الصراعات والنزاعات المسلحة، فبحسب العديد من التقارير الدولية، فإن القوى المتصارعة تعمد إلى السيطرة على المعونات التي تصل إلى المناطق المتضررة من النزاعات المسلحة، ومن ثم تحاول استخدام تلك المعونات كورقة ضغط على الطرف الآخر، كما أن استمرار المواجهات العسكرية يصعب من الأوضاع التي تعمل فيها منظمات الإغاثة، سواء تلك التابعة للأمم المتحدة، أو المنظمات الإغاثية غير الحكومية، وهو ما يفاقم من معاناة المدنيين الذين يدفعون ثمناً باهظاً لصراعات ونزاعات لا دخل لهم فيها، وبخاصة من الفئات التي هي أكثر هشاشة، مثل النساء والأطفال.
وتعتبر أيضاً هايدي الشافعي، الباحثة بوحدة الدراسات الأفريقية بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، الصراعات «المحرك الرئيس لانعدام الأمن الغذائي على مستوى العالم»، وتضيف أن القرن الأفريقي من أكثر مناطق العالم تضرراً من النزاعات؛ إذ أدت الصراعات والعنف إلى تفاقم آثار التغيرات المناخية على السكان المتضررين، وتقويض سبل العيش، ووسائل إنتاج الغذاء، ودفع الملايين للنزوح؛ ففي الصومال، على سبيل المثال، تسيطر «حركة الشباب» الإرهابية على جزء كبير من الريف، وتعرقل عمل وكالات الإغاثة الغربية، وتهاجم العاملين في المجال الإنساني، مما يؤدي إلى عدم وصول المساعدات للمحتاجين، ويضاعف من حالة انعدام الأمن الغذائي والجوع الشديد لديهم.


جهود دولية هزيلة


وتقدر الاحتياجات العالمية لتقديم إعانات غذائية طارئة بنحو 46 مليار دولار سنوياً، ولا تفي التزامات المؤسسات الدولية والدول المانحة إلا بأقل من ثلث هذا المبلغ فقط، وهو ما يدفع الخبير السابق بالبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، الدكتور محمد محي الدين، إلى القول إن الجهود الدولية الجارية حالياً لمواجهة تفشي أزمات الجوع ونقص الغذاء في العديد من مناطق العالم، «أشبه بمن يريد أن يعالج السرطان ببضعة أقراص من الأسبرين».
ويضيف محي الدين لـ«الشرق الأوسط»، أن العمل الدولي الراهن، رغم التقدير للجهود المبذولة، «لا يرقى إلى مستوى التوقعات، ولا يسهم بصورة فعالة في مواجهة حقيقية للموقف».
ويُرجع الخبير الأممي السابق، الأمر ليس فقط إلى الخلل الذي يعتري الجهود المبذولة والتقصير من جانب المؤسسات الدولية، بل يذهب إلى أبعد من ذلك؛ فيشير إلى وجود اختلالات في هيكل النظام العالمي الراهن، الذي يرتكن في جوهره إلى الحفاظ على تفوق الدول المتقدمة، واستمرار التباينات والفروق بين المناطق الجغرافية، فهذه المناطق الفقيرة تمثل بالنسبة للدول الغنية «الاحتياطي الاستراتيجي لقوة العمل»، ومن ثم الحفاظ على الأوضاع القاسية في تلك الدول، رغم كل المحاولات التي تبدو أنها ظاهرياً تستهدف مساعدة الدول الفقيرة والهشة، إلا أن واقع الحال يؤكد أن تلك الدول توفر للدول الغنية ما تحتاجه من مخزون بشري تعوض به احتياجاتها من الأيدي العاملة الرخيصة، واستغلالهم في الوظائف التي لا يُقبل عليها مواطنو الدول الغنية، حتى وإن بدت الدول الغنية في مظهر المتأفف من موجات الهجرة من تلك الدول التي تعاني وضعاً هشاً، إنسانياً وسياسياً واجتماعياً.
ويعتقد الخبير السابق بالبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، أن تضافر العوامل الطبيعية والسياسية يفاقم من الأزمة التي تعانيها المناطق الهشة، وخصوصاً في أفريقيا والمنطقة العربية، ويضيف أن العوامل الطبيعية هي بالأساس نتاج لممارسات بشرية خاطئة، مثل تلويث البيئة والاستخدام غير الرشيد للموارد، فضلاً عن أن الصراعات والنزاعات المسلحة لا تؤدي فقط إلى إهدار الثروات، بل إلى تهجير المزارعين وعدم تمكين أكثر الفئات احتياجاً من استغلال تلك الأراضي في الزراعة والحصول على احتياجاتهم من الأغذية، ومن ثم تضاعف الأسعار، وتنقص السلع، الأمر الذي يخلق بدوره دائرة مفرغة من الصراعات السياسية والاجتماعية.