تحول المجمع اللغوي إلى "ترند" فانتبه المصريون لألفاظهم

منذ 1 سنة 174

من كان يتوقع أن يتصدر مجمع اللغة العربية "ترند" مواقع التواصل الاجتماعي؟ تلك المؤسسة التي يقترب عمرها من 100 وتبدو بهيبتها ورسوخها في الزمن وكأنها عصية على أن تصبح في يوم من الأيام ضمن موجات "السوشيال ميديا".

لكن المؤكد أن فعل "استعبط" الذي تمت إجازته من قبل لجنة الألفاظ والأساليب بمجمع اللغة العربية، ومعناه كما ورد على الصفحة الرسمية للمجمع بموقع "فيسبوك"، "استعبط فلان فلاناً: تصوره أو ظنه عبيطاً"، كان له فضل ترديد اسم المجمع العلمي العريق المعني بشؤون اللغة بين فئات وأجيال لم تكن تعلم عنه شيئاً، كما أسهم في تفجير جدل صحي إيجابي لم يخل من المناوشات حول تطور الألفاظ وإسهامات المجمع في هذا الشأن، بخاصة أن الأمر جعل المتابعين يكتشفون أن هناك عشرات الكلمات الغريبة التي كانوا يعتقدون أن من المستحيل على المجمع اللغوي أن يعترف بها.

المفاجأة أن الكلمة المجازة قبل أسابيع قليلة ليست جديدة، بل إن المؤسسة قررت أنها لفظ عربي صحيح منذ أكثر من 30 عاماً، لكن تأخر الإعلان عنها "إلكترونياً" بسبب الطريقة التي تعتمدها المؤسسة، وهي نشر القرارات بالترتيب الأبجدي، لذا ظن المتابعون أن القرار اتخذ قبل أيام، وبالتالي كان الاستقبال حاراً، بخاصة أن اللفظ الذي كان يعتقد أنه مجرد كلمة عامية لا يجوز استخدامها في الخطابات الفصيحة، رضخت الهيئة الرصينة المعنية بحماية لغة الضاد أخيراً وضمته إلى قاموسها، لكن القصة تبدو أعقد بكثير مما تبدو.

عقود على الإجازة

وبحسب الباحث في مجمع اللغة العربية مصطفى يوسف فإن طريقة إجازة الألفاظ تمر بمراحل عدة، وهناك أكثر من لجنة متخصصة بينها لجان الألفاظ والأساليب وأصول اللغة وألفاظ الحضارة، وقد درست الأخيرة ألفاظ الحضارة في الطعام والشراب والملبس والموسيقى والمسرح والموضة والأزياء، وكل لجنة تناقش مقترحاتها بين أعضائها وخبرائها، وفي المرحلة الثانية تعرض على مجلس المجمع المكون من 40 عضواً قبل عرضها أخيراً على المؤتمر السنوي الذي يحضره أعضاء من مجامع اللغة العربية في العالم العربي وعدد من المستشرقين حول العالم، وقد تتم الموافقة عليها أو تعدل أو تعاد إلى اللجنة لمزيد من الدراسة أو ترفض، لتكون هذه المرحلة الأخيرة التي يكتسب بها اللفظ أو الأسلوب المشروعية اللغوية والحق في الإضافة إلى معاجم المجمع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتابع يوسف أنه في ما يتعلق بالفعل "استعبط" الذي أثار الجدل، فقد اتخذ المؤتمر السنوي للمجمع قراراً بإجازته منذ عام 1990، وتم الإعلان عن هذا القرار من خلال مطبوعات المجمع المطروحة للاطلاع والبيع عام 2013، لافتاً إلى أن تلك الكتب بالطبع يقبل عليها المتخصصون فقط وليس رجل الشارع العادي، وبالتالي فوجئ بعض الناس بالقرار المنشور عبر نافذة المجمع على مواقع التواصل وظنوا أنه حديث، بخاصة أن النظام المعمول به في ما يتعلق بمواقع التواصل الاجتماعي أن يتم الإعلان عن إجازات لجنة الألفاظ والأساليب وفقاً للترتيب الألفبائي للقرارات.

الباحث اللغوي والمتحدث باسم المجمع مصطفى يوسف قال أيضاً إن "استعبط" ليست الكلمة الوحيدة التي يجدها بعض الناس غير معتادة في ما يتعلق بإجازات مؤسسة مجمع اللغة العربية، فهناك أيضاً "فسبك" بضم الفاء والباء، وهي تعريب كلمة "فيسبوك"، ومنها أيضاً المشتقات "فسبك" و"يفسبك" و"فسبكة" و"مفسبك".

وبالبحث سنجد أن مجمع اللغة العربية مع تطورات العصر وتغير المصطلحات ورسوخ ألفاظ في اللغة المحكية اليومية معبرة للغاية عن معناها، لدرجة أن بدائلها المعتمدة قد لا تكون بالقوة نفسها، قد أجاز كثيراً من الكلمات والألفاظ التي تتردد يومياً على ألسنة الناس وبعضها لم يكن متوقعاً مثل "الله يخليك، آخر العنقود، تهريج، اعتباطاً، خناقة، أتعشم، خوتة، نشال، لبخ، تهويش، مسحة، برطم، شبرق، عنتيل، اندلق، الكوز"، إذ تم شرح المسوغ اللغوي لها، وكل هذا لتقليل الفجوة بين اللغة المحكية والفصحى.

اتهامات وردود

لكن من المسؤول عن جهل الجمهور العادي بكل تلك القرارات والإجازات، هل هو المواطن أم المؤسسة الكبيرة التي يجب أن تقترب أكثر من الحياة الواقعية للناس؟ أستاذ الأدب ورئيس قسم النقد الأدبي بمعهد النقد الفني شوكت المصري يرى أن هناك تقصيراً واضحاً في أداء مجمع اللغة العربية، واصفاً إياه بالجمود ومشيراً إلى أنه أصبح متحفاً.

ويشدد المصري على قيمة أعضاء مجلس أمناء المجمع وعلمائه الكبار، لكنه يطالب كذلك بأن تكون هناك إدارة جديدة للمستحدثات، وأن يتم تغيير برامج المجمع ومستهدفاته وفقاً لمتطلبات العصر بهدف الحفاظ على اللغة وقوتها، متسائلاً عن دور المؤسسة في ما يتعلق بما نراه في الشوارع من لافتات وأسماء محال تحمل أخطاء لغوية كارثية، وأسماء مجمعات سكنية مكتوبة بلغات أخرى، وإن كتبت بالعربية تكتب خطأ.

ويتابع المصري، "أين المجمع من الفضاء الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي؟ وما فاعلية قرار كإجازة كلمة ’استعبط‘ طالما أن الكلمة يستخدمها كبار الأدباء والروائيين منذ عقود طويلة من دون أن ينتظروا انعقاد اللجان ثم الكشف عن القرار".

وأشار أستاذ النقد الأدبي إلى أن "اللغة بنت المستخدم، والعربية لغة قوية للغاية تعيش منذ آلاف السنوات، وفي ما يتعلق بالعامية المصرية فلها علاقة بالهوية، وبالتالي يجب أن يكون التجدد سمة المؤسسة المعنية بشؤون اللغة".

لكن المجمع الذي تأسس في عهد الملك فؤاد الأول حاول الرد على كل تلك الأسئلة عبر بيان جاء تعقيباً على الجدل الذي صاحب التدوينة الأخيرة، إذ ثمن جهود الإعلام في تسليط الضوء على نشاطات المؤسسة، مشيراً إلى تصدر الواقعة محركات البحث من خلال "ما يسمى الترند"، ومن ضمن ما جاء في البيان أن "جهود اللجنة في تقليل الفجوة بين العامية والفصحى قديمة حديثة، وقد سبق للجنة أن أجازت ألفاظاً تتوهم عاميتها، وهي في الواقع غير ذلك".

وتابع البيان، "لا يقتصر دور لجنة الألفاظ والأساليب بالمجمع على محاولة تقليل الفجوة بين اللهجة العامية واللغة العربية الفصحى فقط، إذ تعمل كذلك على مواكبة التطور اللغوي في كل مناحي حياتنا المعاصرة، ومن أمثلة ما أجازته أخيراً ما يلي: دعامة طبية، الشركة القابضة، الوحدة الوطنية، مستوصف، استشارة، كراسة الأسئلة والأجوبة بدلاً من (البوكلت)، وسمة، وتوسيم بدلاً من (هاشتاغ)، والمحور التنموي، ورقم الجلوس، والأجندة، والإجهاد المائي، والكمامة، والترند".

مصطفى يوسف المتحدث باسم المجمع اللغوي يقول إنه تم إقرار ألفاظ أخرى أيضاً من قبيل "الرابط، والمقصود به الرابط الإلكتروني، وكذلك الحساب بمعنى حسابات مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تغريدة، والجيش الأبيض، والمسحة".

تلفزيون أم مرناة؟

وبالعودة لبيان المجمع اللغوي فقد تم اعتماد كلمتي "سمة" و"توسيم" بدلاً من "هاشتاغ"، وهو ما يطرح تساؤلاً جديداً مفاده كيف بعد أن ترسخت كلمة "هاشتاغ" في أذهان كل مستخدمي "السوشيال ميديا" طوال تلك السنوات، يتم استبدالها ببساطة بلفظين معادلين لمعناها في العربية، على رغم أن عامل الوقت هنا له قوته؟ وفي هذا الصدد يقول شوكت المصري "قبل عشرات السنوات قرر مجمع اللغة العربية أن يضع بديلاً عربياً لاسم التلفزيون، لكن لم يتم الكشف عن الاسم الجديد إلا بعد أن انتشر الجهاز في البيوت والمقاهي والمؤسسات المختلفة وبات معروفاً لدى العامة باسمه الأجنبي، ووقتها بالطبع لم يلتفت أحد إلى اللفظ البديل الذي أقره المجمع وهو (مرناة)، بعكس الإذاعة التي تم إقرار اللفظ العربي المقابل لاسمها الأجنبي سريعاً، فاستقر اللفظ في الأذهان وعلى الألسنة".

لكن أكثر ما يثير الدهشة في نظر المصري هو عدم وجود بصمة واضحة لمجمع اللغة العربية في ما يتعلق بمناهج تدريس اللغة في المدارس بمراحلها المختلفة، وأيضاً غياب دوره في تعليم اللغة لغير الناطقين بها، مشيراً إلى ضرورة أن يكون المجمع أكثر فاعلية في ما يتعلق بخطة تطوير التعليم، وواصفاً بعض النصوص التي يدرسها الطلبة في المناهج العربية بالممسوخة والرديئة، بعد أن كانوا يدرسون أعمال طه حسين ومصطفى لطفي المنفلوطي وعلي الجارم.

ويرد المتحدث باسم المجمع مصطفى يوسف بأن مؤسسته تقدم التوصيات بصفة مستمرة في ما يخص مناهج التعليم المختلفة، ويتم الأخذ بكثير منها وليس كلها، على رغم أنه صدر تشريع عام 2010 يمنح قرارات المجمع صفة الإلزامية.

وشدد يوسف على أن هناك مزيداً من التطوير الذي سيشهده عمل المجمع قريباً، وبعضه متعلق بإتاحة إصداراته للاطلاع والشراء إلكترونياً من خلال متجر إلكتروني تابع له، وأيضاً نشر قرارته أولاً فأولاً عبر موقعه الإلكتروني الرسمي.