"الطعمية"... فطور البسطاء في مصر يدخل مفرمة الأسعار

منذ 3 أسابيع 28

التقاء حبات "الطعمية" مع الزيت المغلي وصوت سقوطها في الإناء المعدني الكبير من أشهر مشاهد الصباح في مختلف الأحياء الشعبية بمصر، يتداخل معها ضجيج عجان الطعمية الضخم، باعتباره الطبق الرئيس مع الفول لوجبة الفطور على طاولة المصريين.

لا يكاد يخلو شارع أو حارة مصرية من مطعم شعبي متخصص في وجبة الصباح من الفول والفلافل، يلتف حوله العشرات باكراً للحصول عليها، حتى إنها احتلت مكاناً بارزاً في قائمة طعام أبناء الطبقات الراقية بعد أن أطلقوا عليها أخيراً "غرين برغر".

وعلى رغم أن التسمية (غرين برغر) كانت مثار سخرية بين الطبقات المختلفة، لكنها تدخل إلى الطبقات الراقية كنوع من التنويع والرفاهية وليست وجبة أساسية، كما الحال لدى ملايين البسطاء يومياً ونسبة لا يستهان بها من العاملين والموظفين في قطاعات ومؤسسات الدولة المختلفة، لذا ارتفاع سعرها ضعفين وثلاثة أخيراً يمثل كابوساً للمصريين.

غلاء المكونات الأساسية

تنحدر حبات الفول بكميات كبيرة لتطحن تحت المفرمة ويتسلمها عجان الطعمية ليتولى صناعة الخليط الممزوج مع بقية المكونات من شبت وكزبرة خضراء وأخرى جافة والبقدونس مع حبات البصل والثوم، ليشكل في النهاية هذا العجين "الطعمية" التي قفز سعر الحبة الواحدة منها خلال شهرين من 50 قرشاً إلى جنيه ثم إلى ثلاثة جنيهات، كنتيجة مترتبة على غلاء مكوناتها.

يتراوح سعر كيلو الفول المدشوش بين 25-30 جنيهاً، بما يعادل دولار وربع تقريباً، بينما يتراوح ثمن كيلو الثوم بين 15-25 جنيهاً، ليأتي البصل في الترتيب التالي بسعر أقل نسبياً من 7 إلى 10 جنيهات قرابة النصف دولار، فيرتفع إجمالي الكلفة إلى الضعف تقريباً.

"فا لا فل" من أصل فرعوني

ظهرت الطعمية على نقوش وجداريات فرعونية بوادي الملوك، وبحسب المراجع التاريخية فالطهاة الفراعنة هم أول من عرفوها وأتقنوا صناعتها وتفننوا في حشوها بطرق مختلفة، لكن المدهش أنها لم تظهر مجرد اسم أو رسم لصورتها فقط، بل ظهرت رسوم تفصيلية تشرح طريقة عملها.

وتكشف النقوش والجداريات عن طريقة تكسير الفول وطحنه وإضافة مجموعة من الخضراوات وتحميرها بعد خلطها وعجنها معاً، وترجع بدايتها إلى أكثر من 3000 عام وسموها "فا لا فل" وتعني "الأكلة كثيرة الفول"، وذلك بحسب اللغة القبطية القديمة.

حل اقتصادي

ارتفاع سعر "الطعمية" في المطاعم الشعبية أثار جدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي تسبب في استفزاز ربات البيوت، خصوصاً مع صغر حجمها على رغم تضاعف الثمن فقررن القيام بمختلف خطواتها الصعبة وطهيها في المنزل، بداية من نقع الفول وطحنه وعجنه وتخزين العجين بكميات في أكياس وتفريزها بالتبريد للاستخدام اليومي، وذلك للفرار من ارتفاع أسعارها المبالغ فيه.

ESS_1482.jpg

فعلى رغم زيادة أسعار مكونات "الطعمية"، لكن تظل الكلفة الإجمالية لصناعتها في المنزل مقارنة بالمطاعم أفضل كثيراً من شرائها جاهزة، ونشرت ربات منازل كثيرات أفضل وأسرع الطرق لتحضيرها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

انهالت الدعوات بين ربات البيوت على مواقع التواصل الاجتماعي إلى مقاطعة المطاعم وجشع أصحابها واستغلالهم للأزمة الاقتصادية والمبالغة في تصعيب الأمور عليهن وتشجيع الجميع على الاستغناء عن "الطعمية" الجاهزة وتحضيرها في المنزل.

وحاز عدد من مقاطع الفيديو لشرح طرق طهي "الطعمية" في المنزل وكيفية الاستغناء عن بعض المكونات بعد ارتفاع أسعارها واستبدالها بمكونات أخرى أقل ثمناً، آلاف المشاهدات.

"غرين برغر"

الشهرة الواسعة لـ"الطعمية" في الأحياء الشعبية وارتباطها بالطبقات الفقيرة والمتوسطة جعل تسميتها "غرين برغر" على طاولة الأثرياء مجالاً للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي وانطلاق عدد من "الميمز" و"الكوميكس" المضحكة عن أبناء الطبقات الراقية.

المدهش أن تلك التسمية لـ"الطعمية" في قائمة طعام (منيو) المطاعم الفاخرة جعل أسعارها ترتفع بشكل مبالغ فيه حتى وصلت الحبة الواحدة إلى 25 جنيهاً مصرياً، ما يقرب من دولار أميركي، مما جعل فاتورة الحساب لكلفة وجبة مكونة من الفول و"الطعمية" ومشتقاتهما من الأكلات الخفيفة تتعدى 300 جنيه، بما يعادل 15 دولاراً، الأمر الذي زاد من موجة السخرية والجدل حول فاتورة الفول و"الطعمية" في تلك المطاعم وجعلها محل انتقاد واسع على مواقع التواصل الاجتماعي بين أبناء الطبقات المختلفة.

ESS_1486.jpg

بروتين نباتي بديل اللحوم

"الطعمية" بخلاف طعمها الذي أدهش الجميع من مختلف الجنسيات وشهرتها الواسعة، غنية أيضاً بأهم العناصر الغذائية، فتشمل البروتين النباتي من الفول والفيتامينات والمعادن من الخضراوات مثل (البقدونس والشبت والكزبرة والكرات الأخضر) ومضادات الأكسدة من السمسم ومضادات تنقي الجسم من الأضرار كالثوم والبصل ويتناولها البسطاء بديلاً عن البروتين الحيواني.

اعتماد البسطاء على "الطعمية" كبديل للبروتين الحيواني من اللحوم والأسماك والدواجن التي ارتفعت أسعارها إلى الضعف تقريباً، جعل من زيادة ثمنها أزمة حقيقية تواجههم وتضعهم في عجز حقيقي عن تلبية العناصر المهمة التي تقاوم بها أجسادهم رحلة الشقاء اليومية في العمل ومكابدة أعباء الحياة.

محاولات سرقة هويتها

مسابقات الطهي العالمية تكشف عن محاولات لسرقة هوية "الطعمية" المصرية ونسبها إلى جنسية أخرى، أبرزها إسرائيل بعد مشاركتها في "الطعمية" خلال مهرجان البقوليات والأكلات المشتقة منها الذي أقيم في لندن منذ عامين ومحاولة تصدر قائمة أفضل الطهاة في منافسة شرسة مع المصريين والشوام المشهورين بـ"الفلافل" السوري.

قائمة الدول التي تسجل أكلاتها على قائمة "يونيسكو" للتراث غير المادي طويلة وتضم عشرات الأسماء، وفي هذا الإطار تجهز إسرائيل ملفاً يشمل "الطعمية" والتبولة والحمص على أنها تراث يخص مطبخها، بحسب محمود مرزوق الباحث في التراث، مؤكداً أنهم حاولوا الفوز في مهرجان الطهي كدعاية لإثبات أحقيتهم في إعلان "الطعمية" كتراث خاص بهم.

وأوضح مرزوق "أننا كمصريين لا نحتاج إلى إثبات هويتها، لأنها موثقة في كتب الطبخ المصرية في العصور المملوكية والعثمانية وعصر أسرة محمد علي، إضافة إلى ذكرها في كتاب ’ترويح النفوس ومضحك العبوس‘ للشيخ الأزهري حسن الآلاتي المتوفي عام 1889 قبل ظهور إسرائيل، بخلاف التراث القبطي في الأكلات الذي كان يتضمن الطعمية كواحدة من الأكلات الصيامي المغذية ورخيصة الثمن".