التكية السليمانية... ذاكرة الدمشقيين المهددة

منذ 1 سنة 181

تعد التكية السليمانية في دمشق من المعالم الأثرية القريبة لقلوب السوريين، فهي تحمل في طياتها ذاكرتهم الاجتماعية حيث كانت مقصداً دائماً لهم، كما احتضنت بين جدرانها منذ بداية السبعينيات أهم الحرف والحرفيين.

التكية السليمانية ستغلق بعد فترة وجيزة في وجوه سكانها وروادها بهدف الترميم، ومن المتوقع ألا تعود كسابق عهدها، وهو ما أثار تخوف الحرفيين والمهتمين بالتراث من تغيير هويتها وتفريغها من تاريخها وإرثها.

لمحة تاريخية

التكية السليمانية عبارة عن مجموعة عمرانية فخمة تتميز بقبابها الكثيرة المنتظمة، وتقع في قلب دمشق وعلى ضفاف بردى وغرب المدينة.

كانت تسمى هذه المنطقة قبل ذلك بالمرج أو بالمرجة، حيث كان فيها قصر السلطان المملوكي الظاهر بيبرس المعروف بالقصر الأبلق.

وذكر الغزي عبر كتابه الكواكب السائرة في أعين المئة العاشرة، أن السلطان العثماني سليم الأول نزل في هذا القصر خلال إقامته في دمشق عام 1516.

هدم هذا القصر في عهد ابنه السلطان سليمان القانوني ليقوم مكانه مجمع معماري يتألف من عمارتين غربية وشرقية، الأولى هي التكية والثانية هي المدرسة.

يقول عبد القادر الريحاوي في كتابه روائع التراث "الغاية من التكية تشبه الغاية من الخانقاه، الذي انتشر في أيام الأيوبيين والمماليك"، لكن هناك مراجع تاريخية تبين أنه أريد من هذه التكية أن تكون محطة لحجاج مكة، ومكاناً لإقامة طلبة العلوم الدينية.

بقيت التكية السليمانية كذلك إلى أن دخل المستعمر الفرنسي البلاد سنة 1920، حيث اتخذت القوات الفرنسية منها مسكناً، ومع خروجهم عام 1948 عادت إلى وظيفتها السابقة، وذلك حتى منتصف السبعينيات من القرن الماضي، حيث بدأت التكية احتضان عشرات محال الحرف اليدوية الدمشقية العريقة، وتوسع هذا الجزء ليعرف لاحقاً باسم سوق المهن اليدوية.

محاولات الترميم

عانت التكية من تردي الوضع الإنشائي لها منذ سنوات خلت، وذلك لتأثر الأرضيات بالرطوبة ما تسبب في تكسر حجارتها وتصدعها ما أعاق السير عليها، وقد عملت مديرية الآثار والأوقاف السورية في عام 2007 على إجراء بعض الإصلاحات السريعة، لكنها لم تكن كافية.

فيما بعد لجأت وزارة الثقافة والأوقاف إلى إجراء دراسة بالتعاون مع الطرف التركي وبإشراف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو" من أجل ترميم التكية عبر تدعيم الأقواس والمحلات المحيطة بالجدران والعمل على أرضية السوق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي عام 2010 أعيد تقييم ودراسة المشروع للمتابعة في الترميم، حيث تحدث آنذاك القنصل التركي في دمشق عمر أنونحون عن أماكن الأضرار، وتوقع أن تنتهي أعمال الترميم خلال مدة أقصاها عامين ونصف العام، لكن بعد سنة دخلت البلاد في حرب مفتوحة وتوقف كل شيء.

اليوم عاد الحديث عن السبب الأساسي للترميم، خصوصاً أن التكية مبنية على أرض ذات تربة زراعية فقدت تماسكها وتحللت، بالتالي تسبب ذلك بوجود تشوهات في الأرضيات ما أصبح يعرف بهبوط الأرض، فمنهم من يعزو السبب لمرور نهر بردى بقربها، لا سيما أنها تقع على الشريط الأيكولوجي للنهر، وآخرون يرجعون الهبوط لتجفيف المياه الجوفية عند بناء ما عرف بمجمع يلبغا (نسبة لجامع يلبغا التاريخي بمحاذاته) الذي يبعد عن التكية 800 متر تقريباً.

خالد القحاف، وهو أستاذ مهندس في جامعة دمشق سابقاً، ورئيس جمعية سوريون لأجل التراث العمراني قال، إن "تفريغ المياه تحت المجمع كان له أثر سلبي في المباني القريبة ومنها بناء البريد، لكن السبب الأساسي لهبوط الأرض في التكية والتخوف من انهيارها، هو أن نهر بردى نفسه تعرض للجفاف نتيجة استمرار استجرار مياه الشرب لدمشق من المنبع نفسه، إضافة إلى متغيرات جيولوجية وهيدرولوجية نتيجة الجفاف ونقص الهطول المطري".

سخط الشارع

لم يكن مشروع الترميم هذا ليثير بلبلة في الشارع السوري لو لا أن وزارة السياحة أرسلت إنذارات للحرفيين الموجودين في سوق المهن اليدوية في التكية، تبلغهم بضرورة إخلاء محالهم التي يشغلونها منذ سبعينيات القرن الماضي بصيغة عقود إيجار تحولت في ما بعد إلى عقود استثمار سياحية، حيث يقدر عدد الحرفيين الذين يزاولون مهنتهم بما يزيد على الأربعين، يعملون في مهن تراثية ورثوها عن آبائهم وأجدادهم منذ سنين طويلة.

لقد أثارت هذه الخطوة سخط الحرفيين والمهتمين بالشأن الثقافي والتراثي في سوريا، حيث امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بمنشورات تعبر عن دعمها للحرفيين وبقائهم في التكية، وأخرى تستنكر الإنذارات واعتبرت أن تطبيقه يؤذن بتغيير هوية المكان وتفريغه من إرثه وتاريخه الذي اعتاد عليه الدمشقيون.

في السياق ذاته، خرجت أصوات تتهم وزارة السياحة بأنها تقوم بدور ليس لها، ومنهم القحاف الذي صرح لـ"اندبندنت عربية"، بأن هناك تخوفاً من الجهات التي تعتبر نفسها أنها تستطيع تجاهل وزارة الثقافة، وذلك عبر امتلاكها لرأس المال والقوة المالية والتواصل والدعم من أصحاب النفوذ، لذلك على وزارة السياحة أن تمثل السياحة المستدامة، بمعنى حماية المصادر الطبيعية والمائية والتراثية، ويكون اهتمامها بتقييم الأثر البيئي لأي مشروع".

 محور حيوي وحق مغتصب

وأضاف القحاف "عندما نقول وزارة السياحة نتذكر مشروع وضع حجر الأساس لفندق انتركونتيننتال على الشريط الأيكولوجي لنهر بردى، ما هدد حياة أقدم مدينة في التاريخ واغتصب حقاً مكتسباً لأهل المدينة بالتنزه على مسار بردى منذ آلاف السنين"، فمن وجهة نظره من المفروض أن تكون هذه المنطقة متنزهاً تاريخياً فيها ثقافة (السيران) وحق من حقوق أهل المدينة أن يبقى لهم بردى وما حوله مصان وحرم لا يمكن لأحد أن يتجاوزه.

وتحظى التكية بقيمة كبيرة في ذاكرة مدينة دمشق، ويعد موقعها حساساً جداً فهو موقع حيوي ومحوري على مدخل دمشق الغربي بالقرب من شارع القوتلي ونهر بردى، حيث تقع في منتصف العاصمة دمشق، ومن حولها يتوزع المتحف الوطني ووزارة السياحة، إضافة للمديرية العامة للآثار والمتاحف.

ويعتبر المعنيون بالتراث أن الخوف على هذا المكان مبرر لوجودها على هذا المحور، حيث كانت تعد منطقتها محمية بيئية لجمالها، وهي امتداد لحديقة تشرين حالياً، أو ما كان يعرف سابقاً بمحل بساتين كيوان الدمشقية الشهيرة.

تكتم على المعلومات

إن دخول أطراف عدة لتقرر مصير التكية وعدم وجود جهة واحدة مسؤولة زاد التخوف لدى المعنين بالتراث، حيث دخلت الأمانة السورية للتنمية (وهي مؤسسة سورية غير حكومية وغير ربحية) على الخط، معتبرة أن التكية تدخل ضمن أحد محاورها المرتكزة على صون وتوظيف التراث الثقافي لسوريا كقوة إيجابية في تنميتها الاجتماعية وإعادة إحياء مجتمعاتها.

وعلى رغم وجود بعض الأحاديث في الغرف المغلقة التي تتحدث عن شراكتهم مع وزارة الثقافة والشراكة الأكبر مع وزارة السياحة، إلا أن القحاف يدعو الأمانة إلى ضرورة الإعلان عن خطتها بما يخص التكية، وذلك لأن الموضوع يهم الرأي العام في سوريا وبعض الجهات خارجها، كما يحثها على وجوب أن تحدث مكاشفة لكل ما سيحدث من خطط وتطوير وتنمية للمكان.

ونوه إلى أنه "قد تكون للأمانة خطة إيجابية وهذا المتوقع، لكن لماذا لا نستطيع معرفة الهدف العميق هو السؤال بحد ذاته"، فعدم وضوح الرؤية لما ستقوم به الجهات القائمة على ترميم وتطوير التكية بما يخص طبيعة الاستثمار المقترح فتح باباً واسعاً للإشاعات وأعطاها دوراً فاعلاً في إثارة الجدل.